منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضمن فعاليات الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان

 إجماع دولي على أن الكرامة الإنسانية أساس “الحق في الصحة”.. ودعوة لنظم صحية أكثر عدالة

17 يونيو 2026
سجال ونقاشات في جلسة حق الرد بمجلس حقوق الإنسان
سجال ونقاشات في جلسة حق الرد بمجلس حقوق الإنسان

تواصلت في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أعمال الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، وذلك في إطار الاجتماع السادس للدورة الثانية والستين للمجلس، وسط نقاشات موسعة ركزت على العلاقة الوثيقة بين الكرامة الإنسانية والحق في الصحة، والتحديات التي تواجه النظم الصحية في ظل الأزمات الاقتصادية والمناخية والإنسانية المتفاقمة.

وجاءت هذه المناقشات ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف، حيث شددت الدول المشاركة على أن ضمان الحق في الصحة لا يقتصر على توفير الخدمات الطبية فحسب، بل يرتبط أيضاً بصون الكرامة الإنسانية، ومكافحة التمييز والوصم، وضمان المشاركة المتساوية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالرعاية الصحية، إلى جانب معالجة المحددات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المؤثرة في صحة الأفراد والمجتمعات.

وخلال الجلسة، استعرضت الوفود الوطنية تجاربها وسياساتها الصحية، وقدمت رؤى ومداخلات بشأن سبل تعزيز الحق في الصحة البدنية والعقلية، بينما طرحت عدداً من الأسئلة على المقررة الخاصة بشأن أفضل الممارسات الكفيلة بحماية الكرامة الإنسانية داخل المنظومات الصحية، وآليات مواجهة التأثيرات المتزايدة لتغير المناخ والأزمات العالمية على الصحة العامة.

آثار التجارب النووية تهدد الصحة

استهلت جمهورية جزر مارشال المداخلات بالتأكيد على أن الكرامة الإنسانية تمثل الأساس الذي يقوم عليه الحق في الصحة، معربة عن اتفاقها مع ما ورد في تقرير المقررة الخاصة بشأن الترابط العضوي بين الكرامة والتمتع بالحقوق الصحية.

وسلّطت الضوء على المعاناة التاريخية لشعبها جراء التجارب النووية التي أجريت بين عامي 1946 و1958، مشيرة إلى أن آثارها النفسية والجسدية لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وأوضحت أن السكان تعرضوا آنذاك للتهجير القسري والتضليل وإجراء تجارب علمية دون موافقة، في انتهاكات جسيمة للحقوق الإنسانية.

وأكدت أن بعض الوثائق التاريخية أظهرت نظرة تمييزية تجاه سكان الجزر، الأمر الذي أسهم في تبرير تلك الانتهاكات، داعية إلى تبني ممارسات تضمن استعادة الثقة والكرامة للمجتمعات التي عانت من انتهاكات في سياق الرعاية الصحية.

نيبال: الصحة حق دستوري

من جانبها، أكدت نيبال أن الكرامة الإنسانية ترتبط بشكل وثيق بإعمال الحق في الصحة، موضحة أن دستورها يكفل لكل مواطن الحق في الحصول على خدمات صحية أساسية وفرص متكافئة للوصول إلى الرعاية الصحية.

وأشارت إلى استمرار جهودها لتوسيع خدمات الرعاية الصحية الأولية، ودمج خدمات الصحة النفسية داخل النظام الصحي الوطني، إضافة إلى تعزيز مبادرات الصحة الرقمية والصحة عن بعد بهدف تحسين الوصول إلى الخدمات.

ودعت إلى اعتماد مقاربة قائمة على حقوق الإنسان في المجال الصحي، وخالية من الوصم والتمييز، متسائلة عن التوصيات اللازمة لمواجهة التأثيرات الصحية المتزايدة لتغير المناخ على المجتمعات المحلية.

توغو.. إصلاحات صحية

بدورها، أوضحت توغو أن الحق في الصحة والكرامة الإنسانية مترابطان بصورة لا يمكن فصلها، مستعرضة سلسلة من الإصلاحات الصحية التي نفذتها خلال السنوات الأخيرة.

وأكدت أن هذه الإصلاحات شملت تطوير البنية التحتية الصحية، وتوسيع نظام التأمين الصحي الشامل ليشمل العاملين في القطاع غير المنظم، وتدريب الكوادر الطبية، وتحسين جودة الخدمات الصحية.

وشددت على أهمية العدالة والتضامن الدوليين، داعية إلى إصلاح منظومة الديون العالمية بما يتيح للدول منخفضة الدخل توفير موارد أكبر للاستثمار في القطاع الصحي وتحقيق التغطية الصحية الشاملة.

تغير المناخ أزمة صحية وحقوقية

وأبرز ممثلو الدول الجزرية الصغيرة النامية التأثيرات العميقة لتغير المناخ على الصحة العامة، مؤكدين أن الأزمة المناخية لم تعد قضية بيئية فقط، بل أصبحت قضية حقوق إنسان وصحة عامة تمس حياة ملايين الأشخاص.

وأشاروا إلى أن ارتفاع مستويات البحار والكوارث الطبيعية المتكررة وندرة المياه وتدهور الأمن الغذائي تؤثر بصورة مباشرة على صحة السكان وكرامتهم الإنسانية.

وأكدت هذه الدول أن النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن هم الأكثر تضرراً من هذه التداعيات، داعية إلى وضع الكرامة الإنسانية في قلب السياسات الصحية والمناخية على حد سواء.

وأكدت سيراليون أن احترام الكرامة الإنسانية شرط أساسي للإعمال الكامل للحق في الصحة، مشيرة إلى أهمية ضمان الإتاحة والجودة وإمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية.

واستعرضت برامجها لتوفير الرعاية الصحية المجانية للنساء الحوامل والمرضعات، مؤكدة أن محددات الصحة مثل الفقر وانعدام الأمن الغذائي وضعف خدمات الصرف الصحي تشكل عوامل رئيسية تؤثر على النتائج الصحية.

ودعت إلى تعزيز التمويل الدولي المستدام وبناء القدرات وتقديم المساعدة التقنية لضمان تمتع الجميع بحقوقهم الصحية.

الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم الصحة

من جهتها، رحّبت سريلانكا بالتقرير، مؤكدة أن الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهما في تحسين النظم الصحية وتعزيز حماية خصوصية المرضى وسرية بياناتهم.

وأوضحت أنها تواصل تنفيذ سياسة وطنية للصحة والرفاه للفترة 2026–2035، مع التركيز على التغطية الصحية الشاملة وإصلاحات الرعاية الصحية الأولية.

وأكدت أهمية اعتماد نهج “الصحة في جميع السياسات”، بالنظر إلى تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في النتائج الصحية.

وأكدت زيمبابوي أن الحق في الصحة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإمكانية الوصول العادل إلى الأدوية واللقاحات والمنتجات الصحية الأساسية.

وأشارت إلى إنشاء صناديق وطنية لتمويل القطاع الصحي، بما في ذلك صندوق خاص بمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، فضلاً عن جهودها لتعزيز التصنيع المحلي للأدوية.

ودعت إلى تعزيز التضامن الدولي وإصلاح النظام المالي العالمي وضمان نقل التكنولوجيا بصورة عادلة، بما يجعل الأدوية واللقاحات المنقذة للحياة منفعة عامة عالمية متاحة للجميع.

وشددت كرواتيا على أهمية بناء أنظمة صحية شاملة وسهلة الوصول ومتمحورة حول احتياجات الأفراد، مؤكدة أن التمييز والإقصاء الاجتماعي لا يزالان من أبرز العوائق أمام التمتع بالحق في الصحة.

وأكدت أهمية تعزيز خدمات الصحة النفسية والدعم المجتمعي والتدابير الوقائية، متسائلة عن أفضل الممارسات الدولية التي أثبتت نجاحها في تعزيز استقلالية المرضى وصون كرامتهم داخل المؤسسات الصحية.

قطر.. ميثاق لحقوق المرضى

وأكدت دولة قطر أن صون الكرامة الإنسانية يمثل مبدأ أساسياً في سياساتها الصحية، انطلاقاً من اعتبار الصحة حقاً للجميع دون تمييز.

وأشارت إلى ميثاق حقوق وواجبات المرضى المعتمد من وزارة الصحة العامة، والذي يضمن الحصول على رعاية صحية آمنة وعالية الجودة مع احترام الخصوصية والكرامة الإنسانية، كما جددت التزامها بالتعاون الدولي لتعزيز الحق في الصحة وضمان عدم ترك أي فرد خلف الركب.

وأكدت مالاوي أن الصحة والكرامة وجهان لعملة واحدة، معربة عن قلقها من استمرار التمييز والوصم والأطر العقابية التي تؤثر بصورة غير متناسبة على الفئات المهمشة.

وأشارت إلى اعتماد تشريعات للصحة النفسية تستند إلى نهج قائم على حقوق الإنسان، داعية إلى جعل الكرامة محوراً رئيسياً للسياسات الصحية الوطنية والدولية.

وطالبت بإعطاء أولوية أكبر للأنظمة الصحية القائمة على احترام الكرامة الإنسانية في برامج التمويل الدولي، خصوصاً في الدول النامية.

الهجمات المسلحة تهدد الحق في الصحة

بدورها، أكدت مالي أن التغطية الصحية الشاملة تمثل أولوية وطنية، مشيرة إلى وجود إطار قانوني يكفل حقوق المرضى والعاملين في القطاع الصحي.

غير أنها حذّرت من الانتهاكات التي يتعرض لها الحق في الصحة نتيجة هجمات الجماعات المسلحة على المرافق الصحية، مستشهدة باستهداف مراكز صحية خلال عام 2025.

ولفتت الانتباه إلى تأثير بعض الممارسات التجارية غير المنظمة على إمكانية الوصول إلى العلاج وتحقيق الإنصاف الصحي.

وأكدت غينيا أن الكرامة الإنسانية تمثل جوهر الحق في الصحة، مشيرة إلى أن توفير المياه الآمنة والأمن الغذائي والتعليم والعمل اللائق يشكل شروطاً أساسية للتمتع بالصحة.

واعتبرت أن صحة الأمهات تمثل أحد أهم المؤشرات على احترام الكرامة الإنسانية، محذرة من استمرار وفاة النساء أثناء الحمل أو الولادة بسبب ضعف الخدمات الصحية، ودعت إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات لدعم النظم الصحية في الدول النامية.

الصحة النفسية أولوية

وأشادت بوليفيا بأهمية التقرير في معالجة التحديات التي تواجه النظم الصحية، مؤكدة ضرورة تعزيز الرعاية الصحية الأولية والوقاية وخدمات الصحة النفسية.

وأشارت إلى الخطة الوطنية للصحة النفسية للفترة 2024–2030 باعتبارها أداة مهمة لتعزيز هذا القطاع، مؤكدة أن الحق في الحياة يقتضي ضمان الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية والنفسية دون تمييز.

وأكدت بيرو أن الفقر والتمييز وتغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي تمثل عوامل تؤثر بصورة مباشرة على الصحة البدنية والعقلية.

وأشارت إلى اعتماد سياسة وطنية متعددة القطاعات حتى عام 2030 لمعالجة المحددات الرئيسية للصحة، فضلاً عن إنشاء مراكز مجتمعية متخصصة في خدمات الصحة النفسية.

وشددت على أهمية التعاون الدولي والمساعدة التقنية في دعم الجهود الوطنية الرامية إلى بناء نظم صحية شاملة وقادرة على الصمود.

التغطية الصحية تحمي الكرامة

وأكدت كوت ديفوار أن الحق في الصحة شرط أساسي لتحقيق الكرامة الإنسانية، مشيرة إلى اعتماد إطار قانوني وتنظيمي يضمن الوصول إلى الخدمات الصحية ويحمي الحقوق الأساسية.

واستعرضت نظام التغطية الصحية الشاملة وبرامج مجانية الخدمات المقدمة للنساء الحوامل والأطفال دون الخامسة، إضافة إلى دعم بعض الخدمات العلاجية المتخصصة.

وأكدت سلطنة عُمان أن الحق في الصحة يواجه اختباره الأصعب خلال النزاعات والأزمات، مشددة على أن المستشفيات يجب أن تبقى أماكن آمنة ومحايدة لا يجوز استهدافها.

ودعت إلى حماية العاملين في القطاع الصحي وضمان وصول المرضى والجرحى إلى العلاج الكريم دون تمييز، مؤكدة أن مكافحة الوصم والتمييز تمثل جزءاً أساسياً من سياساتها الصحية.

وفي ختام المداخلات، أكدت فييتنام أن الصحة والكرامة الإنسانية يعززان بعضهما البعض، وأن السياسات الصحية يجب أن تكون شاملة ومنصفة وموجهة لخدمة الجميع.

وأشارت إلى أن التغطية بالتأمين الصحي بلغت نحو 95% من السكان، في إطار استراتيجية وطنية تجعل الإنسان محور السياسات الصحية.

ودعت إلى تعزيز المساعدة التقنية ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، دعماً للدول الساعية إلى تطوير نظم صحية قادرة على تلبية احتياجات مواطنيها.

إجماع دولي على مركزية الكرامة

وعكست المناقشات توافقاً واسعاً بين الدول المشاركة على أن الكرامة الإنسانية يجب أن تشكل الأساس الذي تقوم عليه جميع السياسات الصحية، وأن التمتع بالحق في الصحة لا يمكن فصله عن مكافحة التمييز والفقر والوصم الاجتماعي، وضمان المشاركة المجتمعية والعدالة في الوصول إلى الخدمات الصحية.

وبرزت خلال الجلسة قضايا متعددة شملت تأثيرات تغير المناخ على الصحة، وأهمية الصحة النفسية، وحماية المرافق الصحية في مناطق النزاع، وإتاحة الأدوية واللقاحات، والحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي ونقل التكنولوجيا والتمويل المستدام للنظم الصحية، بما يضمن تمتع جميع الأفراد بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية في إطار يحفظ كرامتهم الإنسانية ويصون حقوقهم الأساسية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print