شهدت الجلسة الخامسة ضمن أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف نقاشات حادة خلال بند “حق الرد”، حيث تبادلت عدة دول الاتهامات والردود بشأن أوضاع حقوق الإنسان والسيادة الوطنية والنزاعات الإقليمية، في مشهد عكس حجم الانقسامات السياسية والحقوقية داخل المجلس.
وجاءت المداخلات في إطار ممارسة الدول لحق الرد على الانتقادات والاتهامات التي طُرحت خلال الجلسات السابقة، وسط تأكيدات متكررة على احترام السيادة الوطنية ورفض ما وصفته بعض الوفود بـ”تسييس” قضايا حقوق الإنسان واستخدامها كأداة للضغط السياسي.
واستهلت تنزانيا مداخلتها بالرد على ملاحظات الاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن السلطات اتخذت إجراءات وطنية للمساءلة عقب أحداث 29 أكتوبر، من خلال تشكيل لجنة تحقيق مستقلة بتوجيه من الرئيسة التنزانية، قبل إنشاء لجنة أخرى في 18 يناير للتحقيق في أعمال العنف وتحديد المسؤوليات.
وأكد الوفد التنزاني أن الحكومة بدأت بالفعل تنفيذ توصيات لجان التحقيق، مشدداً على ضرورة احترام الإجراءات القانونية الوطنية وعدم تسييس القضايا القضائية، كما جدد التزام بلاده بالتعددية الحزبية واستكمال الإصلاحات السياسية قبل الانتخابات المقبلة، مع مواصلة التعاون مع الأمم المتحدة على أساس الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة.
الصين وحق الرد
من جانبها، رفضت الصين بشدة الانتقادات التي وجهتها دول أوروبية وغربية ومنظمات غير حكومية بشأن أوضاع حقوق الإنسان لديها، معتبرة أن الاتهامات المتعلقة بشينجيانغ وهونغ كونغ “لا أساس لها من الصحة”.
وأكد الوفد الصيني أن التشريعات الوطنية تهدف إلى تعزيز المساواة بين المجموعات الإثنية ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف الأقاليم، مشيراً إلى أن بعض الدول الغربية تتجاهل مشكلاتها الداخلية وتستغل ملف حقوق الإنسان للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
وشهدت الجلسة فصلاً جديداً من السجال التقليدي بين الهند وباكستان بشأن إقليم جامو وكشمير، حيث أكدت الهند أن الإقليم جزء لا يتجزأ من أراضيها، ورفضت ما وصفته بادعاءات باكستان ومنظمة التعاون الإسلامي.
واتهم الوفدُ الهنديُ إسلام آباد بدعم الإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية للهند، معتبراً أن باكستان تحاول صرف الأنظار عن أوضاع المناطق الخاضعة لسيطرتها.
حق الرد لباكستان
في المقابل، ردت باكستان باتهام الهند بتزييف الحقائق وانتهاك القانون الدولي، مؤكدة أن قرارات الأمم المتحدة تعتبر كشمير إقليماً متنازعاً عليه إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية تضمن حق سكانه في تقرير المصير.
وأشارت إسلام آباد إلى تقارير دولية تتحدث عن انتهاكات حقوقية في الإقليم، واتهمت نيودلهي باستخدام المياه كورقة ضغط من خلال إجراءات أحادية تمس ملايين المواطنين الباكستانيين.
وفي سياق متصل، مارست كوبا حق الرد على انتقادات وجهتها ليتوانيا، معتبرة أن الحديث عن أوضاع حقوق الإنسان في كوبا يتجاهل تأثير العقوبات والتدابير القسرية المفروضة عليها.
وأكد الوفد الكوبي أن الحصار الأمريكي ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية داخل البلاد، مشيراً إلى أن المنتقدين يتجاهلون الدعوات الدولية والمواقف الصادرة عن آليات الأمم المتحدة المطالبة برفع هذه الإجراءات.
كما وجهت هافانا انتقادات مضادة إلى ليتوانيا بشأن ما وصفته بمشكلات تتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي والتمييز ضد جماعة الروما داخل أراضيها.
رفض كوري للاتهامات
بدورها، رفضت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية الاتهامات التي وجهتها دول غربية وآسيوية بشأن أوضاع حقوق الإنسان لديها، معتبرة أن هذه الدول تعاني بدورها من تحديات تتعلق بالتمييز وعدم المساواة الاجتماعية.
وجددت بيونغ يانغ موقفها من قضية المواطنين اليابانيين الذين تقول طوكيو إنهم تعرضوا للاختطاف، مؤكدة أن الملف أُغلق منذ سنوات، في حين اتهمت اليابان بتجاهل مسؤولياتها التاريخية المرتبطة بجرائم الحرب.
وفي ملف آخر، تناولت رواندا الأوضاع الأمنية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، متهمة كينشاسا بالتعاون مع جماعات مسلحة وميليشيات محلية تسهم في زعزعة الاستقرار بالمنطقة.
تنفيذ اتفاقات السلام
وأكد الوفد الرواندي أن الأولوية يجب أن تنصب على تنفيذ اتفاقات السلام وتعزيز المبادرات السياسية والدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في منطقة البحيرات الكبرى، بدلاً من اللجوء إلى الحلول العسكرية.
وعادت باكستان خلال الجلسة للرد على تصريحات هندية إضافية، مؤكدة أن الحوار واحترام القانون الدولي يمثلان السبيل الوحيد لمعالجة النزاعات الإقليمية، داعية المجتمع الدولي إلى مساءلة الهند بشأن ما وصفته بانتهاكات مستمرة في كشمير.
أما اليابان، فقد استخدمت حق الرد للتأكيد على التزامها بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رافضة الاتهامات التي وجهتها إليها كوريا الديمقراطية الشعبية، واصفة تلك المزاعم بأنها تفتقر إلى الأساس الواقعي.
وأظهرت المناقشات التي شهدتها الجلسة حجم التباينات السياسية بين الدول الأعضاء بشأن تفسير مبادئ حقوق الإنسان وحدود السيادة الوطنية، كما عكست استمرار استخدام منصة مجلس حقوق الإنسان لتبادل الرسائل السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالنزاعات الإقليمية والخلافات الثنائية، إلى جانب الملفات الحقوقية التقليدية التي يناقشها المجلس.
