صعّدت زعيمة حزب وان نايشن اليميني المتطرف في أستراليا، بولين هانسن، من لهجتها السياسية عبر هجوم مباشر على وسائل الإعلام وما وصفته بالإسلام المتطرف، متعهدة في الوقت ذاته بإعادة النظر في علاقات بلادها مع عدد من المنظمات الدولية إذا ما وصلت إلى السلطة، في خطوة تعكس تصاعد نفوذ الخطاب اليميني الشعبوي داخل الساحة السياسية الأسترالية.
ووفق ما أوردته وكالة فرانس برس، جاءت تصريحات هانسن خلال خطاب ألقته أمام نخبة من الصحفيين والمحللين السياسيين في منتدى الصحافة الوطني بالعاصمة كانبيرا، حيث استغلت المناسبة لتوجيه انتقادات لاذعة لوسائل الإعلام التقليدية في أستراليا، معتبرة أنها أخطأت في تقدير حجم التأييد الشعبي الذي يحظى به حزبها، وتعاملت مع صعوده على أنه مجرد موجة سياسية مؤقتة.
شعبية متنامية
ويشهد حزب وان نايشن الذي تقوده هانسن، عودة قوية إلى الواجهة السياسية بعد سنوات من التراجع النسبي، فقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تقدماً لافتاً للحزب، ما جعله أحد أبرز القوى السياسية الصاعدة في البلاد، وسط تنامي حالة الاستياء الشعبي من الأحزاب التقليدية والقوى السياسية المهيمنة على المشهد العام.
وتُعد هانسن من أكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل في أستراليا، إذ طالما ارتبط اسمها بمواقف متشددة تجاه الهجرة والتعددية الثقافية. كما يقارنها مراقبون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعيمة اليمين الفرنسي مارين لوبان؛ نظراً لاعتمادها خطاباً شعبوياً يركز على القضايا المرتبطة بالهوية الوطنية والحدود والهجرة والسيادة السياسية.
انتقادات للإعلام الرسمي
وخلال كلمتها، شددت هانسن على أن المواطنين الأستراليين فقدوا ثقتهم بما وصفته بالمؤسسة السياسية التقليدية وبوسائل الإعلام الداعمة لها. واعتبرت أن الناخبين باتوا يبحثون عن بدائل سياسية تعبر عن مخاوفهم وتطلعاتهم بصورة مباشرة، بعيداً عن الخطاب الرسمي السائد.
كما وجهت انتقادات حادة إلى مؤسسات البث العام الممولة من الدولة، ملمحة إلى إمكانية تقليص التمويل الحكومي المخصص لها في حال وصول حزبها إلى الحكم. وأثارت إحدى مداخلاتها جدلاً واسعاً عندما خاطبت صحافياً يعمل في شبكة “إس بي إس” الأسترالية، مؤكدة أن السياسات التي تنوي تطبيقها قد تؤدي إلى فقدان وظائف في بعض المؤسسات الإعلامية المدعومة من المال العام.
مراجعة للعلاقات الدولية
وفي جانب السياسة الخارجية، أعلنت هانسن أنها تؤيد إعادة تقييم مشاركة أستراليا في عدد من المنظمات الدولية، مشيرة إلى ضرورة مراجعة موقع البلاد داخل الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات متعددة الأطراف، وترى زعيمة اليمين المتطرف أن المصالح الوطنية الأسترالية يجب أن تكون أولوية مطلقة في رسم السياسات الخارجية، حتى لو تطلب ذلك إعادة النظر في التزامات دولية قائمة منذ سنوات.
كما تعهدت بإجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق الحكومي، معتبرة أن الحكومة تنفق مبالغ ضخمة في مجالات لا تحقق عائداً مباشراً للمواطنين الأستراليين.
موقف متشدد تجاه الصين
وفي ملف العلاقات مع الصين، أبدت هانسن مخاوف واضحة من تنامي النفوذ الصيني في منطقة المحيط الهادئ، مؤكدة أن بكين تمثل مصدر قلق استراتيجياً بالنسبة لها، وتعهدت بوقف المساعدات الأسترالية المقدمة لدول جزر المحيط الهادئ إذا استمرت تلك الدول في تلقي الدعم التنموي والاستثماري من الصين.
ويُنظر إلى منطقة المحيط الهادئ باعتبارها ساحة تنافس جيوسياسي متزايد بين أستراليا والصين خلال السنوات الأخيرة، حيث تسعى كل واحدة من الدولتين إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني في الدول الجزرية الصغيرة المنتشرة في المنطقة.
رفض السياسات المناخية
وفي ملف الطاقة والمناخ، جددت هانسن رفضها لسياسات خفض الانبعاثات الكربونية التي تتبناها الحكومة الأسترالية، معتبرة أن هدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية يفرض أعباء اقتصادية كبيرة على المواطنين والشركات.
ودعت إلى توسيع عمليات التنقيب عن مصادر الطاقة التقليدية والاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة، مؤكدة أن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي يجب أن يحظيا بالأولوية على حساب الالتزامات البيئية التي تراها مبالغاً فيها.
تأثير محتمل في الانتخابات
ورغم أن استطلاعات الرأي الحالية لا تمنح حزب وان نايشن فرصة واقعية للحصول على أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل الحكومة منفرداً، فإن المراقبين يرون أن الحزب قد يلعب دوراً محورياً في أي تحالف سياسي يميني مستقبلي، خاصة إذا استمرت شعبيته في الارتفاع خلال السنوات المقبلة.
وفي مؤشر على الجدل الذي يرافق صعود هانسن السياسي، أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي أنه لن يحضر خطابها في منتدى الصحافة الوطني، مفضلاً متابعة إحدى مباريات دوري الرغبي الوطني، في خطوة فسّرها البعض على أنها تجاهل سياسي متعمد لزعيمة اليمين المتطرف.
يُعد حزب وان نايشن من أبرز الأحزاب اليمينية الشعبوية في أستراليا، وقد تأسس عام 1997 على يد بولين هانسن التي بنت حضورها السياسي على انتقاد سياسات الهجرة والتعددية الثقافية والعولمة، وخلال العقود الماضية شهد الحزب فترات من الصعود والتراجع، إلا أنه حافظ على قاعدة انتخابية مؤثرة في بعض الولايات والمناطق الريفية.
ويأتي تجدد حضوره حالياً في ظل موجة عالمية من صعود الأحزاب اليمينية والشعبوية في عدد من الدول الغربية، مدفوعة بقضايا الهجرة والهوية الوطنية وارتفاع تكاليف المعيشة والتشكيك في أداء الأحزاب التقليدية والمؤسسات السياسية والإعلامية. وفي أستراليا، يعد هذا الصعود مؤشراً على تحولات محتملة في المزاج السياسي العام خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
