لم تعد النزاعات المسلحة في العالم تُقاس فقط بعدد الجبهات المفتوحة أو موازين القوة بين الأطراف المتحاربة، بل باتت تُقاس أيضاً بحجم الانهيار الذي تتركه في حياة المدنيين، وفي قدرتهم على الوصول إلى الغذاء، والماء، والدواء، والتعليم، والأمان، والكرامة، وقد عكست مداخلات الدول والمنظمات خلال الحوار التفاعلي مع المفوض السامي لحقوق الإنسان أن حماية المدنيين أصبحت العنوان الأكثر إلحاحاً في المشهد الحقوقي العالمي، وأن القانون الدولي الإنساني يواجه اليوم أحد أصعب اختباراته.
في أكثر من مداخلة، حضرت غزة ولبنان وسوريا بوصفها ملفات مركزية في النقاش، ليس فقط بسبب استمرار الانتهاكات، بل بسبب ما تحمله هذه الملفات من أسئلة أعمق حول قدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين عندما تطول الأزمات.
وتتكرر الدعوات إلى وقف إطلاق النار دون نتائج ملموسة، فقد شددت مداخلات عربية ودولية على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ووقف استهداف المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإنهاء الاحتلال، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي سلام عادل ومستدام، وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بإدانة الانتهاكات، بل بمدى قدرة النظام الدولي على تحويل هذه الإدانة إلى حماية فعلية.
وفي أوكرانيا، ركزت عدة مداخلات على استمرار الهجمات الروسية وما تخلفه من آثار على المدنيين والبنية التحتية والمواقع ذات القيمة الثقافية والتاريخية، كما برز الحديث عن الطائرات المسيّرة والأسلحة الحديثة، ليس فقط باعتبارها أدوات عسكرية، بل كتهديد مباشر لسلامة السكان، ولسيادة الدول المجاورة، وللأمن الأوروبي الأوسع، هذا البعد التكنولوجي للنزاعات أظهر أن حماية المدنيين باتت تتطلب فهماً جديداً لطبيعة الحرب، حيث لا تقتصر المخاطر على القصف التقليدي، بل تمتد إلى التضليل، وانتهاك المجال الجوي، واستخدام التقنيات الحديثة بطرق تزيد هشاشة السكان.
أما في إفريقيا، فقد حضرت النزاعات من زوايا متعددة، في الكونغو الديمقراطية، ركزت المداخلات على شرق البلاد، وحركة M23/AFC، وضرورة احترام وقف إطلاق النار، ودعم لجنة التحقيق، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وفي السودان ومنطقة الساحل والكاميرون، تكررت الإشارات إلى الإرهاب، والجماعات المسلحة، والتدهور الأمني، والنزوح، وتراجع الخدمات الأساسية، هذه الملفات تكشف أن النزاعات الممتدة لا تنتج أزمة أمنية فقط، بل تؤدي إلى تفكيك تدريجي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتضعف قدرة المجتمعات على الصمود، وتفتح الباب أمام أزمات إنسانية طويلة الأمد.
كما أظهرت المداخلات أن آثار النزاعات لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، فالمفوضية السامية لحقوق الإنسان شددت في تعقيبها على أن الحروب تترك آثاراً تمتد أحياناً لأجيال، بما في ذلك الآثار البيئية والإيكولوجية، وتدمير البنية التحتية، وتعطيل التعليم والصحة، وتهجير المجتمعات، وتغيير أنماط الحياة، وهذا يعني أن حماية المدنيين يجب ألا تُفهم فقط كمنع مباشر للقتل أو الإصابة، بل كحماية شاملة للحق في الحياة الكريمة، وللخدمات الأساسية، وللبيئة، وللذاكرة الثقافية للمجتمعات.
اللافت أيضاً أن عدداً من المداخلات ربط بين حماية المدنيين والمساءلة، فالدعوات إلى التحقيقات المستقلة، ولجان تقصي الحقائق، وآليات الرصد، وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، تكررت في ملفات فلسطين ولبنان والكونغو الديمقراطية وميانمار وأفغانستان وسوريا والصحراء الغربية ونيكاراغوا، وهذا الربط مهم، لأن غياب المساءلة لا يترك الضحايا دون إنصاف فقط، بل يشجع على تكرار الانتهاكات ويضعف الثقة في القانون الدولي.
كما برزت قضية وصول المساعدات الإنسانية باعتبارها جزءاً جوهرياً من حماية المدنيين، ففي أكثر من سياق، جرى التأكيد على ضرورة فتح المعابر، وضمان الوصول الآمن وغير المشروط للمساعدات، وحماية العاملين الإنسانيين، وتحييد المستشفيات والمرافق المدنية، وهنا يصبح منع المساعدات أو عرقلتها وجهاً آخر من وجوه الانتهاك، لأنه يحول الاحتياجات الأساسية إلى أداة ضغط على السكان المدنيين.
تُظهر هذه المداخلات أن العالم لا يعاني فقط من كثرة النزاعات، بل من تراجع الالتزام بالقواعد التي وُضعت أصلاً لتقليل كلفتها على المدنيين، فالقانون الدولي الإنساني لا يمنع الحروب دائماً، لكنه يضع حدوداً لها، وعندما يتم تجاوز هذه الحدود بشكل متكرر، يصبح المدنيون هم الثمن المباشر لانهيار القواعد.
إن حماية المدنيين اليوم ليست ملفاً إنسانياً منفصلاً عن السياسة الدولية، بل هي معيار أساسي لقياس جدية المجتمع الدولي في الدفاع عن حقوق الإنسان، فحين يصبح استهداف المدنيين، أو تهجيرهم، أو تجويعهم، أو حرمانهم من العلاج والتعليم، أمراً قابلاً للتكرار دون مساءلة، فإن منظومة حقوق الإنسان نفسها تصبح أمام اختبار مصداقية.
الخلاصة أن مداخلات مجلس حقوق الإنسان كشفت أن حماية المدنيين هي القضية الأكثر إلحاحاً في اللحظة الراهنة، فلا يمكن الحديث عن سلام مستدام دون مساءلة، ولا عن حقوق إنسان دون حماية فعلية للمدنيين، ولا عن نظام دولي قائم على القانون إذا بقيت الانتهاكات الجسيمة تُدار بالبيانات وحدها، المطلوب اليوم ليس فقط التذكير بالقانون الدولي، بل استعادة قدرته على حماية الناس في الميدان.
