لم تعد الانتقادات الموجهة إلى مراكز احتجاز المهاجرين في مالطا مرتبطة فقط بارتفاع أعداد الوافدين عبر البحر أو الضغوط الاستثنائية التي تفرضها موجات الهجرة، بل باتت تتعلق بطبيعة السياسات المعتمدة نفسها، فالمفارقة التي تلفت انتباه المنظمات الحقوقية تتمثل في استمرار اللجوء إلى الاحتجاز شبه التلقائي، رغم التراجع الحاد في أعداد الواصلين إلى الجزيرة الواقعة على أحد أكثر طرق الهجرة البحرية خطورة في البحر المتوسط.
هذا التناقض أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول حدود سلطة الدول في إدارة الهجرة، ومدى قدرة السياسات الأمنية على التوفيق بين حماية الحدود واحترام الحقوق الأساسية لطالبي اللجوء والمهاجرين، وفي مقدمتها الحق في الحرية والكرامة الإنسانية والضمانات القانونية.
ووفقاً لتقرير قاعدة بيانات معلومات اللجوء الأوروبية (AIDA) المحدث لعام 2024، لم تسجل مالطا سوى 239 حالة وصول بحري خلال العام، إلا أن السلطات عادت إلى تطبيق الاحتجاز شبه الإلزامي على معظم الوافدين الجدد لمدة لا تقل عن شهرين بذريعة الإجراءات الصحية، وهي ممارسة اعتبرتها المحاكم المالطية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان غير قانونية.
ظروف احتجاز تثير مخاوف حقوقية
أكد تقرير AIDA أن أوضاع الاحتجاز داخل المراكز المالطية ظلت “سيئة للغاية” خلال عام 2024، خاصة بالنسبة للفئات الهشة والأطفال.
وأشار التقرير إلى أن هذه الظروف وثّقتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ولجنة مناهضة التعذيب التابعة لمجلس أوروبا، اللتان رصدتا استمرار مشكلات تتعلق بالإقامة والخدمات الأساسية داخل مراكز الاحتجاز.
وتتركز عمليات الاحتجاز الإداري للمهاجرين في عدد من المرافق الرئيسية، أبرزها مركز “سافي باراكس” الذي يعد أكبر مراكز الاحتجاز في البلاد، إلى جانب مركز الاستقبال الأولي في “هال فار”.
ووفقاً لقاعدة بيانات معلومات اللجوء الأوروبية، تستخدم هذه المراكز لاستقبال طالبي اللجوء الجدد والمهاجرين المقرر ترحيلهم، بينما يواجه المحتجزون قيودا على التواصل مع منظمات المجتمع المدني والحصول على المساعدة القانونية المستقلة.
الاحتجاز كخيار أول
تثير التجربة المالطية تساؤلات إضافية لأن استمرار اللجوء إلى الاحتجاز لا يتزامن مع ارتفاع استثنائي في أعداد الوافدين.
وفي ظل تسجيل بضع مئات فقط من حالات الوصول خلال عام كامل، ترى منظمات حقوقية أن الاعتماد على الاحتجاز بوصفه أداة شبه تلقائية لإدارة الهجرة لم يعد مبرراً بالضغوط التشغيلية وحدها، بل يستدعي مراجعة أوسع لمدى توافق السياسات المعتمدة مع مبدأ الضرورة والتناسب الذي تشدد عليه المعايير الأوروبية والدولية.
ومن هذا المنطلق، تدعو جهات حقوقية إلى توسيع استخدام بدائل الاحتجاز، مثل الإقامة المجتمعية والإشراف الإداري، باعتبارها خيارات أكثر احتراما للحقوق الأساسية وأقل كلفة إنسانية.
انتقادات لآليات الطعن والرقابة
أثار نظام مراجعة قرارات الاحتجاز في مالطا انتقادات قانونية متزايدة، بعد أن قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن هيئة استئناف الهجرة، المسؤولة عن النظر في قانونية الاحتجاز، لا تستوفي معايير الاستقلال والحياد المطلوبة بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وبحسب تقرير AIDA، لم تُجرَ أي إصلاحات جوهرية على الهيئة خلال عام 2024 أو الأشهر الأولى من عام 2025، رغم صدور الحكم الأوروبي.
وتؤكد الحكومة المالطية أن سياساتها تهدف إلى إدارة الهجرة غير النظامية وحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، في وقت تشير فيه بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استمرار دور مالطا كدولة استقبال على أحد أكثر طرق الهجرة البحرية خطورة في البحر المتوسط.
غير أن المنظمات الحقوقية ترى أن استمرار الاحتجاز التلقائي وتدهور ظروف المعيشة داخل المراكز يطرحان تساؤلات جدية حول مدى التزام الدولة بمعايير حماية طالبي اللجوء واللاجئين المنصوص عليها في القانون الأوروبي والدولي.
وفي حديثه لـ“صفر”، أكد الدكتور كامل مراد، الباحث في قضايا حقوق الإنسان، أن أوضاع المهاجرين داخل مراكز الاحتجاز تعكس أزمة تتجاوز البعد الإجرائي للهجرة لتصل إلى جوهر الكرامة الإنسانية.
وبيّن مراد أن أوضاع الاحتجاز المرتبطة بقضايا الهجرة تثير مخاوف حقوقية متزايدة، خصوصا في الحالات التي تعاني فيها المراكز من محدودية الموارد والخدمات، ما ينعكس على مستوى الرعاية المقدمة للمحتجزين ويزيد من تعرضهم لأشكال مختلفة من المعاناة الإنسانية.
وأشار إلى أن التحديات التي يواجهها المهاجرون لا تبدأ عند وصولهم إلى أماكن الاحتجاز، بل تمتد عبر مختلف مراحل الهجرة، حيث يتعرض كثير منهم لمخاطر الاستغلال والانتهاك نتيجة هشاشتهم القانونية والاجتماعية، في ظل غياب الحماية الكافية في بعض السياقات.
وأكد أن ضمان حقوق المحتجزين يتطلب وجود منظومة قانونية فعالة تضمن الرقابة المستقلة على إجراءات الاحتجاز، وتوفر سبلاً واضحة للتظلم والمراجعة القضائية، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويحمي الأفراد من أي تجاوزات محتملة.
ورأى أن الاستجابة لهذه التحديات تستدعي اعتماد سياسات تضع حقوق الإنسان في صلب إدارة ملف الهجرة، من خلال تطوير التشريعات الوطنية بما يتوافق مع الالتزامات الدولية، وتعزيز دور المؤسسات الرقابية، والاعتماد على بدائل أكثر استدامة وإنسانية للاحتجاز كلما أمكن.
الكرامة الإنسانية معيار النجاح
تكشف التجربة المالطية أن إدارة الهجرة لا تُختبر فقط بقدرة الدول على ضبط الحدود، بل أيضاً بمدى حفاظها على حقوق الأشخاص الأكثر هشاشة أثناء ذلك.
وكلما تحول الاحتجاز من إجراء استثنائي إلى ممارسة شبه تلقائية، ازدادت المخاوف من أن تصبح الحرية ثمناً إضافياً يدفعه المهاجرون فوق أثمان الرحلات الخطرة التي خاضوها أصلاً.
وبين ضرورات السيادة ومتطلبات الحماية، يبقى التحدي الحقيقي أمام مالطا والاتحاد الأوروبي هو بناء سياسات هجرة فعالة لا تنظر إلى الإنسان بوصفه ملفا أمنيا فحسب، بل باعتباره صاحب حقوق لا ينبغي أن تتراجع حتى في أكثر الملفات حساسية وتعقيدا.

