منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

العدالة الانتقالية وحقوق الضحايا.. عندما تبقى الحقيقة معلّقة

21 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان الأممي
مجلس حقوق الإنسان الأممي

تُظهر تقارير مجلس حقوق الإنسان أن ملف العدالة الانتقالية لا يتعلق فقط بالماضي، ولا يقتصر على فتح تحقيقات أو تشكيل لجان أو إصدار قوانين، جوهر العدالة الانتقالية هو سؤال الضحايا: هل عرفوا الحقيقة؟ هل وصلوا إلى العدالة؟ هل حصلوا على جبر؟ وهل اتخذت الدولة ما يكفي لضمان عدم تكرار الانتهاكات؟

في عدد من التقارير الحديثة، يظهر هذا الملف بصور مختلفة: في نيبال من خلال العدالة الانتقالية بعد النزاع والعنف الجنسي، وفي غواتيمالا من خلال استقلال القضاء وملاحقة الفاعلين العدليين، وفي لبنان من خلال التحقيق في انفجار مرفأ بيروت والحق في الحياة.

وفي تشيلي من خلال ذاكرة احتجاجات 2019 وحقوق ضحايا الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاج، ورغم اختلاف السياقات، فإن السؤال واحد: ماذا يحدث عندما تبقى الحقيقة معلّقة؟

العدالة الانتقالية

في كثير من الأحيان تتعامل الدول مع ملفات الماضي باعتبارها عبئاً سياسياً يجب إغلاقه، لكن العدالة الانتقالية لا تعني طي الصفحة دون قراءة، ولا تعني المصالحة دون مساءلة، بل تعني بناء مسار واضح يربط بين الحقيقة، المحاسبة، جبر الضرر، الإصلاح المؤسسي، وضمانات عدم التكرار.

العدالة الانتقالية تفشل عندما تصبح مجرد لغة رسمية، وتنجح فقط عندما يشعر الضحايا أن الدولة اعترفت بما جرى، وأن المسؤولين لا يتمتعون بحصانة، وأن المؤسسات التي سمحت بالانتهاكات قد تغيرت فعلاً.

وفي نيبال، يظهر ملف العدالة الانتقالية بوصفه واحداً من أكثر الملفات حساسية في مراجعة الدولة، فقد أكدت نيبال التزامها باستكمال العملية من خلال قانون لجنة الحقيقة والمصالحة المعدل لعام 2024 الذي يحظر العفو عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ويعترف بالتعويض بوصفه حقاً أساسياً للضحايا.

لكن موقف الدولة من بعض التوصيات يكشف أن الطريق لا يزال غير مكتمل، فقد دعمت نيبال أجزاءً من توصيات تتعلق بضمان عملية مستقلة وممولة بشكل كافٍ، لكنها أخذت علماً بالجزء المتعلق بإزالة المهلة الزمنية المحددة لتقديم شكاوى العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، كما ظهرت تحفظات أو مواقف جزئية بشأن مدد التقادم في قضايا الاغتصاب والعنف الجنسي.

هذا الملف يكشف أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تكون كاملة إذا كانت إجراءاتها تستبعد بعض الضحايا، خصوصاً ضحايا العنف الجنسي، فهذه الجرائم غالباً لا يتم الإبلاغ عنها فوراً بسبب الخوف، الوصمة، الصدمة، أو غياب الحماية، لذلك، فإن مدد التقادم في هذا السياق ليست مجرد مسألة إجرائية، بل قد تتحول إلى معوق أمام العدالة.

أزمة العدالة الحالية

في غواتيمالا، لا يظهر ملف العدالة الانتقالية فقط من خلال الماضي، بل من خلال أزمة العدالة الحالية، فقد أشار تقرير المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين إلى ملاحقة قضاة ومدعين ومحامين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، خصوصاً من عملوا في قضايا فساد أو حقوق إنسان أو عدالة انتقالية.

هذه الحالة خطرة لأنها تمس البنية التي يفترض أن تحمي الضحايا، فإذا أصبح القاضي أو المدعي أو المحامي معرضاً للتجريم بسبب عمله، فإن الضحايا يفقدون أحد أهم شروط الوصول إلى العدالة: وجود مؤسسات مستقلة لا تخاف من ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات.

وأشار التقرير إلى أن قضايا العدالة الانتقالية المرتبطة بالنزاع المسلح الداخلي ما تزال تواجه تأخيراً وتعطيلاً، وأن هناك إنكاراً مستمراً لبعض الجرائم الخطِرة التي ارتُكبت خلال النزاع، وفي هذا السياق، لا تكون العدالة معلقة فقط بسبب الماضي، بل بسبب حاضر مؤسسي يضعف استقلال القضاء ويهدد من يحاولون كشف الحقيقة.

الحق في معرفة الحقيقة

في لبنان، يظهر ملف العدالة والمساءلة بقوة من خلال التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، فالتقرير الخاص بلبنان أشار إلى استئناف التحقيقات في الانفجار، وإلى تعاون قضائي دولي وتقديم دعم للمتضررين، لكن جوهر الملف لا يتعلق فقط بوجود تحقيق، بل باستقلاليته، شفافيته، قدرته على الوصول إلى الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين.

انفجار المرفأ ليس مجرد حادث كبير في الذاكرة اللبنانية، بل ملف مرتبط بالحق في الحياة، الحق في الحقيقة، الحق في الجبر، والثقة بالقضاء، وكل تأخير أو تعطيل أو تدخل في مسار التحقيق يضاعف شعور الضحايا بأن الحقيقة مؤجلة، وأن العدالة قابلة للتعطيل.

وهنا تظهر أهمية ربط العدالة الانتقالية أو المساءلة الوطنية بسؤال أوسع: هل تستطيع المؤسسات القضائية العمل دون ضغط سياسي؟ وهل يستطيع الضحايا الوصول إلى الحقيقة دون مساومة؟

الاحتجاج والذاكرة وعدم التكرار

في تشيلي، تناول تقرير المقررة الخاصة المعنية بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات احتجاجات 2019 و2020 باعتبارها ملفاً لم ينتهِ بعد، فالتقرير لم يكتفِ بتحليل الإطار القانوني للاحتجاج، بل ربطه بالوصول إلى العدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار لضحايا الانتهاكات التي وقعت خلال الاحتجاجات.

هذه الحالة مهمة لأنها توضح أن الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاج لا تُعالج فقط بإصلاح بروتوكولات الشرطة، هناك حاجة أيضاً إلى الاعتراف، الجبر، المحاسبة، والذاكرة العامة، فالضحايا لا يحتاجون فقط إلى وعد بعدم تكرار الانتهاكات، بل إلى معرفة ما حدث، ومن المسؤول، وما الذي تغير في المؤسسات لمنع تكرار ذلك.

وتُظهر هذه الحالات أن الحقيقة ليست مطلباً رمزياً أو عاطفياً، بل حق أساسي، فالضحايا لا يستطيعون تجاوز الانتهاكات إذا بقيت الرواية الرسمية ناقصة أو مترددة أو متناقضة، والمجتمعات لا تستطيع بناء ثقة جديدة إذا ظلت الأسئلة الكبرى بلا إجابات.

الحقيقة مهمة لأنها تمنع الإنكار، وتساعد على تحديد المسؤوليات، وتفتح الطريق أمام الجبر، وتمنع تحويل الانتهاكات إلى ذاكرة مشوهة أو منسية، لذلك، فإن أي مسار عدالة لا يضع الحقيقة في مركزه يبقى ناقصاً.

الجبر لا يعني التعويض فقط

في العدالة الانتقالية، لا يقتصر الجبر على التعويض المالي، الجبر قد يشمل الاعتذار الرسمي، إعادة التأهيل، الرعاية الصحية والنفسية، استعادة الحقوق، إحياء الذاكرة، إصلاح المؤسسات، وتقديم ضمانات بعدم التكرار.

في حالات مثل نيبال ولبنان وتشيلي وغواتيمالا، يصبح الجبر أكثر أهمية لأن الضرر لم يكن فردياً فقط، بل مسّ الثقة العامة بالمؤسسات، لذلك، فإن الجبر الحقيقي لا يعوض الضحايا فقط، بل يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.

لماذا تفشل العدالة الانتقالية؟

·        تفشل العدالة الانتقالية عندما تصبح انتقائية.

·        وتفشل عندما تفتح ملفات وتغلق أخرى.

·        وتفشل عندما تحمي أصحاب النفوذ.

·        وتفشل عندما تؤجل قضايا العنف الجنسي بحجة الإجراءات.

·        وتفشل عندما تضع الحقيقة تحت ضغط التوازنات السياسية.

·        وتفشل عندما تبقى المؤسسات التي أنتجت الانتهاكات دون إصلاح.

العدالة الانتقالية ليست لجنة فقط، وليست قانوناً فقط، وليست خطاب مصالحة فقط، هي اختبار لإرادة الدولة في الاعتراف والمحاسبة والتغيير.

قراءة تحليلية

تكشف تقارير مجلس حقوق الإنسان أن العدالة الانتقالية ليست ملفاً خاصاً بالدول الخارجة من النزاعات فقط، فهي حاضرة في كل سياق توجد فيه انتهاكات جسيمة، أو ضحايا ينتظرون الحقيقة، أو مؤسسات عاجزة عن المحاسبة، أو ذاكرة عامة متنازع عليها.

والأهم أن العدالة الانتقالية لا تنجح إذا تعاملت مع الضحايا بوصفهم ملفاً إدارياً، فالضحايا ليسوا أرقاماً في تقرير، بل أصحاب حق في الحقيقة والعدالة والجبر، وإذا بقيت الحقيقة معلقة، تبقى المصالحة شكلية، وتبقى المؤسسات معرضة لإعادة إنتاج الانتهاكات.

وتؤكد التقارير الأممية أن العدالة الانتقالية لا تبدأ بإغلاق الملفات، بل بفتحها بجدية، لا مصالحة دون حقيقة، ولا جبر دون اعتراف، ولا عدم تكرار دون إصلاح مؤسسي، ولا عدالة إذا بقي الضحايا ينتظرون سنوات أمام قيود إجرائية أو تدخلات سياسية أو قضاء غير مستقل.