منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

 كأس عالم على الطريقة الترامبية: العنصرية والنفاق يطغيان على كرة القدم

13 يونيو 2026
وصل الحكم الصومالي الموقوف عمر أرتان إلى منزله يوم الأربعاء
وصل الحكم الصومالي الموقوف عمر أرتان إلى منزله يوم الأربعاء

جيريمي كوربن*

كان من المفترض أن يصبح عمر أرتان أول صومالي يدير مباريات في نهائيات كأس العالم. فمنذ حصوله على اعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بوصفه حكماً دولياً عام 2018، أدار مباريات في كأس الأمم الإفريقية عام 2023، واختير أفضل حكم إفريقي لعام 2025 من قبل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.

لكننا علمنا الأسبوع الماضي أن أرتان مُنع من دخول الولايات المتحدة فور وصوله إلى مطار ميامي الدولي.

لم تقدم السلطات الأمريكية تفسيراً رسمياً لهذا القرار، لكننا نعلم أن الصومال مدرجة ضمن قائمة الدول التي يشملها حظر السفر الذي فرضه دونالد ترامب. وبعد أن انتشر الخبر عالمياً، زعم مصدر في الإدارة الأمريكية -طالباً عدم الكشف عن هويته- أن القرار يعود إلى وجود صلات محتملة لأرتان بعناصر إرهابية محتملة، لكن مثل هذا الادعاء، في ظل الغضب الواسع الذي أثاره القرار، يستحق قدراً كبيراً من التشكيك.

هناك كلمة واحدة تصف ما حدث: العنصرية، فهذا القرار المخزي ليس سوى قمة جبل الجليد.

الصومال واحدة من بين 39 دولة مدرجة على قائمة حظر السفر الأمريكية، منها لاوس وسيراليون وبوركينا فاسو ومالي والنيجر وجنوب السودان، وهذا يعني أن جماهير أكثر من ربع الدول المشاركة في كأس العالم تواجه خطر رفض التأشيرات أو فرض قيود على دخولها.

فأين إذاً شعار الفيفا القائل إن “كرة القدم توحد العالم”؟

يفترض أن يكون كأس العالم مناسبة تجمع الشعوب، لكن بطولة هذا العام مهددة بأن تصبح سبباً إضافياً للانقسام.

وهذا بالضبط ما يحدث عندما تستضيف البطولة إدارة سياسية تقوم على التفرقة والاحتجاز والترحيل وفقاً لأهوائها.

لقد دقت المنظمات الدولية ناقوس الخطر منذ أشهر بشأن هذه البطولة، وبشأن أزمة حقوقية تتجاوز الحكام والمسؤولين لتطول اللاعبين والجماهير والمقيمين على حد سواء.

ووفقاً لتقرير حديث صادر عن منظمة العفو الدولية، فإن “أخطر تهديد” يواجه كأس العالم الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك يتمثل في “منظومة إنفاذ قوانين الهجرة الأمريكية القائمة على الانتهاكات والتمييز والاحتجاز الجماعي وما يترتب عليها من مخاطر مميتة”.

لقد شاهدنا جميعاً في يناير الماضي مقاطع مصورة لعنصر من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) وهو يطلق النار على رينيه غود ويرديه قتيلاً.

وبعد أسبوعين فقط، أضافت الوكالة ضحية أخرى إلى سجلها، هو أليكس بريتي، وهاتان الحادثتان ليستا سوى مثالين بارزين؛ إذ توفي ما لا يقل عن 17 شخصاً أثناء احتجازهم لدى الوكالة منذ بداية هذا العام.

وفي يونيو من العام الماضي اتخذت الولايات المتحدة إجراءات لترحيل أكثر من نصف مليون مهاجر يحملون وضعاً قانونياً، وهو رقم يزيد بستة أضعاف على عدد الأشخاص الذين سيتابعون نهائي كأس العالم من مدرجات ملعب ميتلايف في نيويورك، بل إن القائم بأعمال مدير وكالة الهجرة والجمارك أعلن صراحة أن الوكالة ستكون “جزءاً أساسياً من المنظومة الأمنية الشاملة” للبطولة.

حتى الآن، لم تقدم الولايات المتحدة ولا الفيفا أي ضمانات حقيقية بشأن حماية الجماهير من الاحتجاز التعسفي أو المداهمات أو الترحيل، كما لم تقدما إجابات مقنعة عن جملة من المخاوف الأخرى التي أثارتها منظمة العفو الدولية، ومنها القيود المشددة على حرية الاحتجاج السلمي، واستمرار تهجير المشردين من أماكن إقامتهم، والتوسع في أنظمة المراقبة الجماعية، فضلاً عن الشكوك المتزايدة بشأن قدرة الولايات المتحدة على تنظيم بطولة “آمنة ومرحبة وشاملة” كما وعدت الفيفا، خصوصاً بالنسبة لأفراد مجتمع الميم.

عندما استضافت قطر كأس العالم قبل أربعة أعوام، كنت من بين الأصوات التي انضمت إلى منظمات حقوق الإنسان للتعبير عن القلق بشأن مزاعم حرية التعبير وحقوق مجتمع الميم والاستغلال المروع للعمال الذين فقد كثير منهم حياتهم أثناء بناء البنية التحتية للبطولة.

ولهذا لا يسعني إلا أن ألاحظ الصمت المطبق لأولئك الذين كانوا يرفعون أصواتهم آنذاك، ومنهم رئيس وزرائنا الحالي.

إن ازدواجية المعايير هنا مذهلة، وهي تكشف جبن أولئك الذين يدافعون عن حقوق الإنسان فقط عندما يكون ذلك مريحاً سياسياً.

هذا النفاق الفج أسهم في تبرير أشكال مروعة من التواطؤ مع بعض أبشع الجرائم التي يمكن تصورها.

وزيرة الحكومة ليز كيندال قالت هذا الأسبوع، رداً على سؤال بشأن منع عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة: “أنا لست مسؤولة عن سياسة الهجرة الأمريكية”.

وهذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن جزءاً من السبب الذي يدفع الولايات المتحدة إلى هذا الاستهتار الصارخ بحقوق الإنسان هو أنها تتمتع بصمت مريح من حكومات مثل حكومتنا.

أنا أحب كرة القدم، لكنها في النهاية مجرد لعبة، أما حياة البشر فليست كذلك.

لقد حان الوقت لكي تتحلى هذه الحكومة بالشجاعة اللازمة لإطلاق صافرة النهاية في وجه سياسة خارجية تقوم على الاسترضاء والجبن والنفاق، وأن تبدأ بالدفاع عن حقوق الإنسان للجميع، وفي كل مكان.

——————–

جيريمي كوربن نائب في البرلمان البريطاني عن دائرة إزلنغتون الشمالية، وزعيم حزب “يور بارتي”، كما شغل منصب زعيم حزب العمال البريطاني بين عامي 2015 و2020.

*نقلاً عن الجارديان