منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

8091 إصابة عمل في مصر.. الوقاية تبدأ قبل أن يصل العامل إلى المستشفى

06 سبتمبر 2026
سلامة العمال في مصر: حق يبدأ قبل الإصابة وليس بعدها
سلامة العمال في مصر: حق يبدأ قبل الإصابة وليس بعدها

في صباح 28 يونيو/حزيران 2024، خرج إبراهيم علي رياض علي، البالغ 32 عاما، إلى عمله في أحد مصانع المنطقة الصناعية الأولى بمدينة جمصة في محافظة الدقهلية، ومن المفترض أن ينتهي يومه بالعودة إلى أسرته لكنه لم يعد، سقط عليه مصعد كهربائي داخل المصنع، ووصل إلى مستشفى جمصة المركزي جثة هامدة، قبل أن يحال جثمانه إلى المشرحة وتبدأ النيابة العامة التحقيق في الواقعة.

لا تكشف المعلومات المنشورة سبب سقوط المصعد، ولا تسمح بالجزم بوجود تقصير من إدارة المصنع أو أي طرف آخر، لكن إبراهيم لم يكن العامل الوحيد الذي انتهى يوم عمله بالموت في المنطقة نفسها، ففي نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته توفي عامل يبلغ 23 عاما إثر تعرضه لصعقة كهربائية أثناء العمل داخل مصنع في المنطقة الصناعية بجمصة.

وبين العامل الذي يخرج صباحا لكسب رزقه ولا يعود، والمنشأة التي يفترض أن توفر له مكانا آمنا للعمل، تبدأ قضية تتجاوز البحث عن المسؤول بعد الحادث إلى اكتشاف الخطر وإزالته قبل أن يتحول إلى إصابة أو وفاة.

8091 إصابة في عام

سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 8091 إصابة عمل في مصر خلال 2024، استحوذت الصناعات التحويلية على 45.6 بالمئة منها، تلتها أنشطة الإقامة والخدمات الغذائية بنسبة 13.5 بالمئة، ثم الصحة والعمل الاجتماعي بنسبة 8.6 بالمئة.

وفي قطاع الملابس الجاهزة، أظهرت تقييمات برنامج «عمل أفضل» أن 61.5 بالمئة من حالات التقييم خلال 2024 سجلت عدم امتثال لمعايير السلامة والصحة المهنية، مقابل 64 بالمئة في 2023، وشملت التقييمات مصانع يعمل فيها نحو 61 ألف عامل.

لكن الأرقام الرسمية لا تعني بالضرورة أنها تحصي جميع الإصابات، خصوصا مع وجود عمالة غير رسمية قد تكون قدرتها على الوصول إلى أنظمة الإبلاغ والتعويض والحماية أقل. وخلف هذه الأرقام تجارب لا تختصرها جداول الإحصاء. فالإصابة قد تعني عاملا يفقد قدرته على العمل، وأسرة تفقد جزءا من دخلها، فيما تعني الوفاة أن رحلة عادية إلى مكان العمل قد تصبح الرحلة الأخيرة.

السلامة حق يبدأ قبل الإصابة

لا تتعامل معايير العمل الدولية مع السلامة المهنية بوصفها ميزة إضافية تمنحها المنشأة للعامل، بل باعتبار بيئة العمل الآمنة والصحية جزءا من حقوقه الأساسية، كما تؤكد مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية و حقوق الإنسان مسؤولية الشركات عن تحديد المخاطر التي قد تنتج عن أنشطتها ومنعها والحد منها ومعالجة آثارها.

وبذلك تبدأ مسؤولية المنشأة قبل وقوع الحادث، من تقييم المخاطر وصيانة المعدات و تدريب العمال وتوفير وسائل الوقاية وإجراءات الإبلاغ عن الأخطار.

وتقول الخبيرة القانونية في القانون الدولي والتجاري تالا الحليق لـ«صفر» إن مسؤولية الشركة الأم لا تنشأ تلقائيا بسبب امتلاكها شركة تابعة، لكن استقلال الشخصية القانونية لا يمنع مساءلتها عن أفعالها عندما يكون لها دور فعلي في إدارة المخاطر أو وضع سياسات السلامة والإشراف على تنفيذها.

وترى الحليق أن الحماية الفعلية تبدأ بتحديد مصادر الخطر واتخاذ التدابير الوقائية، بدلا من انتظار إصابة العامل ثم البحث عن التعويض وتحديد المسؤولية.

القانون وحده لا يمنع الحوادث

دخل قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025 حيز التنفيذ في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، متضمنا أحكاما تتعلق بالسلامة والصحة المهنية، فيما أطلقت وزارة العمل ومنظمة العمل الدولية خلال 2025 برامج لتدريب مفتشي السلامة وتزويدهم بأدوات لتعزيز تطبيق معايير العمل داخل المنشآت.

لكن وجود التشريع والتدريب لا يحسم وحده مدى فاعلية الحماية، إذ يبقى المعيار في قدرة الرقابة على الوصول إلى أماكن العمل واكتشاف مصادر الخطر وإلزام المنشآت بمعالجتها قبل وقوع الحوادث.

وفي ردها على هذا الجانب، تؤكد وزارة العمل أنها تولي ملف السلامة والصحة المهنية أولوية، وأن الإدارة المركزية المختصة ومديريات العمل في المحافظات تنفذ حملات تفتيش ميدانية بصورة مستمرة، إلى جانب إعادة التفتيش على المنشآت التي تحتاج إلى توفيق أوضاعها.

وقال عبدالوهاب خضر، المتحدث الإعلامي للوزارة، في تصريحات خاصة لـ«صفر»، إن المنشآت التي تتكرر فيها المخالفات أو إصابات العمل تخضع للمتابعة وإعادة التفتيش للتأكد من إزالة أسباب الخطر، موضحا أن الإجراءات القانونية تتدرج بحسب طبيعة المخالفة ومستوى الخطورة، وقد تصل إلى وقف الأعمال أو الغلق إذا كانت المخالفة تمثل تهديدا مباشرا لحياة العمال.

وبحسب خضر، لا تقتصر جهود الوزارة على التفتيش وتحرير المخالفات، إذ نظمت بين يوليو/تموز 2024 وفبراير/شباط 2025 نحو 1653 ندوة ومبادرة وملتقى وأسبوعا للسلامة والصحة المهنية، استفاد منها أكثر من 38 ألف عامل. كما أشار إلى تكثيف حملات التفتيش خلال 2025 واستمرارها في 2026.

ويؤكد المتحدث أن الغاية من التفتيش ليست تحرير المحاضر، وإنما منع الحوادث وحماية أرواح العمال، معتبرا أن التفتيش والتوعية والوقاية أدوات متكاملة لتحسين بيئة العمل.

اتحاد العمال: الوقاية هي المعيار

يتقاطع موقف الوزارة مع ما يقوله رئيس اتحاد عمال مصر عبد المنعم الجمل، الذي يتعامل مع السلامة والصحة المهنية باعتبارها «حقا أساسيا راسخا لكل عامل»، مؤكدا أن الوقاية يجب أن تسبق البحث عن المسؤول بعد وقوع الإصابة.

ويرى الجمل في تصريحات خاصة لـ«صفر» أن بعض المخاطر ترتبط بثقافة العمل نفسها، إذ قد تتوافر معدات الحماية من دون تدريب كاف على استخدامها، أو لا تتعامل الإدارة مع إجراءات السلامة باعتبارها أولوية، مشيراً إلى ان التشييد والبناء والصناعات الثقيلة والتعدين والمحاجر والكيماويات والأعمال المرتبطة بالكهرباء والمعدات والارتفاعات تتطلب رقابة أكثر صرامة بحكم طبيعة مخاطرها.

ومع إقراره بوجود جهود تبذلها الدولة ووزارة العمل، يرى الجمل أن نجاح منظومة السلامة لا يقاس بعدد الحملات التفتيشية أو المحاضر المحررة، بل بقدرتها على منع الحوادث وتقليل تكرار الإصابات، داعيا إلى استمرار التفتيش على المنشآت ذات مؤشرات الخطر المتكررة وتدريب العمال ودعم ممثليهم في الإبلاغ عن المخاطر.

العامل ليس رقماً

في نهاية يوم العمل لا يعود رقم الإصابة إلى منزله، بل العامل نفسه، ولهذا فإن الحق في بيئة عمل آمنة لا يبدأ عند باب المستشفى ولا ينتهي بالتعويض، فخلف كل إصابة صحة قد لا تعود كما كانت، ودخل قد ينقطع، وأسرة قد تتغير حياتها في لحظة.

وتتوزع مسؤولية الوقاية بين المنشأة التي تدير مكان العمل وأجهزة الدولة المكلفة بالتفتيش وإنفاذ القانون، بينما يبقى التحقيق المختص هو الذي يحدد المسؤولية القانونية عن كل حادث على حدة.

وبين 8091 إصابة مسجلة في عام واحد، وما تقوله وزارة العمل عن التفتيش وإعادة التفتيش والتوعية، يصبح انخفاض الإصابات ومنع تكرارها المعيار الأكثر وضوحا لقياس فاعلية منظومة السلامة، فالعامل الذي يخرج إلى عمله صباحا لا ينتظر من المنظومة أن تحدد المسؤول عن إصابته فقط، بل أن تمنع الخطر قبل أن يصل إليه، وأن يعود في نهاية يومه إلى أسرته كما خرج منها.