منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

60 ساعة عمل بلا راحة.. عمال الألبان المهاجرون في فيرمونت خارج مظلة الحقوق

16 أبريل 2026

يبدأ العامل هيلاريو يومه عند الساعة 10:30 مساءً، حين يرفع بطانيته الصوفية الحمراء من فوق فراش مؤقت بجوار حوض المطبخ، ليدخل مباشرة إلى عالم لا يفصل فيه بين السكن والعمل سوى ستارة رقيقة، تُخفي وراءها غرفة الحلب ذات الرائحة النفاذة.

ووفقا لما نقلته صحيفة “الغارديان”، ينتقل الرجل البالغ من العمر 65 عامًا إلى الحظيرة، حيث تصطف أبقار هولشتاين السوداء والبيضاء خلف ستائر الفينيل، بينما تصدر منصة الحلب على شكل حدوة حصان أزيزًا خافتًا، في مشهد يبدو رتيبًا لكنه يخفي إيقاعًا قاسيًا من العمل المتواصل.

يؤدي العامل هيلاريو عمله في دورة متكررة مع زميله، إذ يثبتان آلات الحلب قبل أن ينتهيا عند الساعة 2:30 صباحًا، ليعودا إلى النوم لساعات قليلة فقط، قبل استئناف العمل مجددًا عند 6:30 صباحًا.

يعمل العامل هيلاريو نحو 60 ساعة أسبوعيًا، سبعة أيام دون توقف، مقابل 650 دولارًا فقط، وهو مبلغ يقل بكثير عن الحد الأدنى للأجور في الولاية، حيث لا توجد أيام راحة، ولا ساعات عمل محددة، ولا أجر إضافي مقابل العمل الإضافي، حتى في حالات الطوارئ أو تعطل المعدات.

يكشف هذا النمط من العمل، وفقا للصحيفة البريطانية، عن واقع يتجاوز مجرد ظروف قاسية، ليصل إلى غياب كامل للإطار القانوني الذي يحمي العمال، إذ يُستثنى العمال الزراعيون في فيرمونت من قوانين الحد الأدنى للأجور والعمل الإضافي وحق التنظيم النقابي.

المزارع توظف مهاجرين

يعتمد قطاع الألبان في فيرمونت، الذي تبلغ قيمته 5.4 مليار دولار، على هذه الفئة تحديدًا، حيث أظهر مسح عام 2025 أن أكثر من 90% من مزارع الألبان توظف عمالًا مهاجرين، بينما يبلغ عدد العمال نحو 8300 عامل، بينهم قرابة 1000 عامل غير موثق، وفق منظمة “عدالة المهاجرين”.

يرفض النظام القانوني في الولاية تقنين حقوق هؤلاء العمال، رغم كونهم يشكلون العمود الفقري للقطاع، ما يعكس تناقضًا واضحًا بين الخطاب التقدمي للولاية والواقع العملي الذي يترك العمال في حالة هشاشة دائمة.

تزداد هذه الهشاشة مع تشديد سياسات الهجرة، حيث تُكثف إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وجودها في الولاية، وتُجري عمليات اعتقال، من بينها توقيف ثلاثة أشخاص دون مذكرة في أوائل مارس، ما يجعل العمال يعيشون تحت تهديد دائم بالترحيل.

يؤكد عضو مجلس النواب الديمقراطي ورئيس لجنة الزراعة والأمن الغذائي والغابات ديفيد دورفي: “لدينا عمال يعيشون الآن، ربما، في ظروف أكثر غموضًا مما كانوا عليه في السابق”، في إشارة إلى تدهور أوضاعهم القانونية والمعيشية.

استثناء قانوني

يعود هذا الاستثناء القانوني إلى جذور تاريخية، إذ حُرم العمال الزراعيون في الولايات المتحدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي من الحقوق الأساسية، وهو النهج الذي تبنته فيرمونت لاحقًا، حتى بات هذا الإقصاء راسخًا في البنية القانونية.

يكشف توسيع حقوق النقابات في عام 2024 عن عمق هذا الاستثناء، إذ تم استبعاد العمال الزراعيين في اللحظات الأخيرة، رغم شمول الإصلاح لباقي القطاعات.

يوضح موظف منظمة “عدالة المهاجرين” ويل لامبيك أن القطاع لم يعد قائمًا على العمل العائلي، بل يعتمد على عمالة مأجورة، معظمها من مهاجرين قادمين من جنوب المكسيك، في تحول هيكلي يعزز الاعتماد على فئة محرومة من الحماية.

يُظهر التحول في بنية القطاع تقلص عدد المزارع من 11 ألف مزرعة في أربعينيات القرن الماضي إلى نحو 480 مزرعة فقط بحلول 2024، مقابل زيادة الإنتاج وارتفاع عدد الأبقار بنسبة 70% منذ عام 2013، ما يعكس تكثيفًا للعمل دون تحسين موازٍ لحقوق العمال.

يفرض نظام تسعير الحليب الفيدرالي، الممتد منذ 89 عامًا، قيودًا على المزارعين، إذ يرتبط بالعرض والطلب العالميين ولا يواكب التضخم، بينما تُجبر طبيعة الحليب سريعة التلف المنتجين على البيع اليومي، ما يزيد الضغط على العمال.

يوضح مزارع الألبان آندي بيرش أنه فقد نحو 5500 دولار من دخله كل أسبوعين بين عامي 2024 و2025، ما يحد من قدرته على توظيف عمال إضافيين أو تحسين الأجور، في وقت تعتمد فيه المزارع الصغيرة على عدد محدود من العمال.

تشير رئيسة مكتب مزارع فيرمونت ومالكة مزرعة فورت وايت ماري وايت إلى أن عدد المزارع في بعض البلدات انخفض إلى مزرعتين فقط، معتبرة أن “القوى العاملة اختفت، بمعنى ما”، في وصف يعكس أزمة مزدوجة في القطاع.

العمل القسري

 

يكشف مركز الأعمال وحقوق الإنسان، عن أن العمال المهاجرين في مزارع الألبان يواجهون انتهاكات تشمل سرقة الأجور، وسوء معايير الصحة والسلامة، والعمل لساعات طويلة في بيئات خطرة دون حماية.

ويؤكد المركز أن هؤلاء العمال لا يحصلون غالبًا على الحد الأدنى للأجور أو أجر إضافي، بينما تُهمل التحقيقات في إصابات العمل، خصوصًا في المزارع الصغيرة التي تقع خارج نطاق رقابة إدارة السلامة والصحة المهنية.

يعيش العمال في ظل خطر دائم من الترحيل، ما يحد من قدرتهم على الشكوى أو المطالبة بحقوقهم، ويجعل حياتهم اليومية محكومة بالخوف والعزلة، خاصة في مناطق نائية يندر فيها وجود مجتمعات تشبههم.

يربط التحقيق بين هذه الانتهاكات وسياق أوسع، إذ أشار تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز إلى تورط صناعة الألبان في فيرمونت ضمن فضيحة تشغيل أطفال مهاجرين غير مصحوبين بذويهم في أعمال شاقة، في انتهاك لقوانين عمل الأطفال.

يكشف هذا الامتداد أن الإشكال لا يقتصر على العمال البالغين، بل يشمل فئات أكثر هشاشة، ما يعزز صورة منظومة إنتاج تعتمد على استغلال الفئات الأضعف قانونيًا.

ينخرط العامل هيلاريو في جهود تنظيمية من خلال منظمة “عدالة المهاجرين”، سعيًا للضغط على الشركات للانضمام إلى برنامج “حليب بكرامة”، الذي يربط بين تحسين ظروف العمل وسلاسل التوريد.

الأغلبية خارج النطاق

التزمت شركة “بن آند جيري” منذ 2017 بالحصول على الحليب من مزارع تطبق هذا البرنامج، الذي يشمل نحو 54 مزرعة فقط، أي ما يعادل ثُمن مزارع الألبان في الولاية، ما يعني بقاء الأغلبية خارج نطاق هذه المبادرة.

يواصل العمال احتجاجاتهم للضغط على شركات مثل “هانافورد”، المملوكة لشركة “أهولد ديلهايز”، التي أقرت بوجود مخاطر تواجه العمال المهاجرين، لكنها لم تنشر نتائج التحقيقات المتعلقة بسلاسل التوريد.

يطالب العمال، خلال اجتماعات مع محققين مستقلين، بحقوق أساسية تشمل غرف نوم خاصة، والحد الأدنى للأجور، ويوم عطلة أسبوعيًا، وهي مطالب تعكس الحد الأدنى من معايير العمل اللائق.

ينتظر العمال نتائج التحقيقات، بينما تستمر حملات الضغط، وسط مخاوف من طمس النتائج، في ظل تأكيد الشركة على “أهمية السرية والثقة”

يختتم العامل هيلاريو مساره بالقول: “ربما للأمر علاقة بالعنصرية.. إنهم يريدون الاستمرار في حرماننا من حقوقنا”، في تلخيص يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الإقصاء الذي يواجهه.

يكشف المشهد الهادئ لحقول فيرمونت، كما يصفه العامل نيكولاس، عن مفارقة صارخة، إذ يبدو كل شيء طبيعيًا من الخارج، بينما يخفي في الداخل نظامًا من العمل المتكرر القاسي، حيث “لا شيء صعب.. الأمر يتكرر كل يوم”، في دورة لا تنتهي من العمل بلا حماية.