شهدت العاصمة الإسبانية مدريد صباح الأحد تجمعاً جماهيرياً غير مسبوق، حيث احتشد أكثر من مليون شخص في أحد الميادين الرئيسية لحضور قداس ديني يقوده البابا ليو بابا الفاتيكان، في الهواء الطلق، ضمن زيارته الرسمية إلى إسبانيا التي تستمر أسبوعاً والتي يؤكد خلالها البابا على إحياء خطاب العدالة الإنسانية وكرامة الإنسان.
ويعد هذا التجمع، وفق تقديرات الفاتيكان والمنظمين، الأكبر خلال جولة البابا الحالية، إذ امتد الحضور إلى الساحة الرئيسية والشوارع المحيطة بها وسط أجواء احتفالية ودينية واسعة.
ووفق ما نقلته وكالة أنباء رويترز عن الفاتيكان ومنظمي الحدث، فقد بلغ عدد الحضور نحو 1.2 مليون شخص، ما يجعل هذا القداس واحداً من أكبر التجمعات الدينية في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، وأشار المنظمون إلى أن التدفق الجماهيري استمر منذ ساعات الصباح الأولى، مع توافد آلاف المشاركين من مختلف المدن الإسبانية والدول الأوروبية المجاورة.
حضور جماهيري في قلب مدريد
تحولت شوارع مدريد الرئيسية، وعلى رأسها شارع باسيو دي لا كاستيانا، إلى مسار احتفالي شهد مرور بابا الفاتيكان في سيارته البابوية وسط حشود ضخمة لوّحت بالأعلام وهتفت بعبارات الترحيب، وقام بعض المشاركين بنثر بتلات الزهور أثناء مرور الموكب نحو ساحة سيبيليس، حيث أقيم القداس في الهواء الطلق.
وشكل المشهد مزيجاً بين الطقوس الدينية والتعبير الجماهيري، في لحظة وصفت بأنها من أكبر الفعاليات الدينية التي تشهدها المدينة في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع الحضور الكثيف للشباب والعائلات وكبار السن.
الفقراء والمهمشون
خلال القداس، وجّه البابا ليو خطاباً ركز فيه على القيم الإنسانية في العقيدة الكاثوليكية، داعياً الحاضرين إلى تجسيد الإيمان من خلال مساعدة الآخرين، وقال في كلمته إن الرب يقف مع الفقراء والمضطهدين والمنعزلين ومن يعانون من الإهمال والتخلي، في رسالة حملت بعداً اجتماعياً واضحاً يتجاوز الطابع الديني التقليدي.
وفي سياق متصل، كتب البابا في سجل الزوار لمدينة مدريد رسالة دعا فيها إلى أن تكون العاصمة الإسبانية مدينة مرحبة وحاضنة، تستلهم حياتها الاجتماعية من قيم إنسانية حقيقية، في إشارة إلى أهمية تعزيز ثقافة الانفتاح والتضامن داخل المجتمعات الأوروبية.
المهاجرون واللاجئون
استهل البابا ليو زيارته لإسبانيا بلقاءات مباشرة مع مهاجرين ومشردين، إضافة إلى مشاركته في فعالية جمعت نحو 600 ألف شاب في مدريد، وتشمل جولته التي تمتد من السادس إلى الثاني عشر من يونيو محطات في برشلونة وجزر الكناري، حيث من المقرر أن يلتقي مهاجرين عبروا رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر من سواحل غرب إفريقيا.
وتحمل هذه الزيارة، وهي الأولى من نوعها إلى دولة في الاتحاد الأوروبي خارج إيطاليا، رسائل واضحة حول أهمية التعامل مع قضايا الهجرة بوصفها ملفاً إنسانياً وأخلاقياً، مع التأكيد على ضرورة احترام كرامة الإنسان بغض النظر عن خلفيته أو وضعه القانوني.
مهاجرون في قلب الحدث
وسط الحشود الكبيرة، عبّرت آندريا مارجريتا، وهي امرأة تبلغ من العمر 72 عاماً من بيرو وتقيم في إسبانيا منذ ستة أشهر، عن مشاعرها تجاه الزيارة، قائلة إنها تشعر بالسعادة لأن البابا يصلي من أجل المهاجرين ومن أجل سلامتهم، في تعبير يعكس البعد الإنساني العميق الذي رافق الحدث بالنسبة لعدد من المشاركين القادمين من خلفيات مهاجرة.
أبعاد دينية وإنسانية للحدث
يمثل هذا التجمع واحداً من أكبر الفعاليات الدينية التي تستضيفها مدريد في تاريخها الحديث، ليس فقط من حيث الحجم، بل أيضاً من حيث الرسائل التي حملها البابا ليو، والتي ركزت على العدالة الاجتماعية، ودعم الفقراء، والاهتمام بالمهاجرين، وتعزيز قيم التضامن الإنساني في مواجهة التحديات الاجتماعية المعاصرة.
تعد الزيارات البابوية إلى دول الاتحاد الأوروبي من الأحداث ذات البعد الديني والسياسي والاجتماعي في آن واحد، إذ غالباً ما تترافق مع رسائل تتعلق بقضايا الهجرة والفقر والعدالة الاجتماعية، وتأتي زيارة البابا ليو إلى إسبانيا في سياق أوروبي يشهد جدلاً متصاعداً حول سياسات الهجرة واندماج المهاجرين في المجتمعات المحلية.
وباتت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا في الفترة الأخيرة تركز بشكل متزايد على قضايا المهاجرين واللاجئين باعتبارها جزءاً من رسالتها الإنسانية، خاصة في ظل تزايد أعداد الوافدين عبر البحر المتوسط من شمال وغرب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، كما تعكس هذه الزيارات دور الفاتيكان في تعزيز خطاب التضامن العالمي، وربط القيم الدينية بقضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
