ثلاث مرات في الأسبوع يغادر فتحي حجي مكان نزوحه في منطقة المواصي متجها إلى مجمع ناصر الطبي؛ فالرجل البالغ 77 عاما مصاب بالفشل الكلوي لا يملك رفاهية تأجيل الرحلة، جلسة غسيل الكلى بالنسبة إليه ليست موعدا طبيا يمكن تغييره، بل علاج يعتمد عليه للبقاء على قيد الحياة.
بعد نزوحه من حي الزيتون أصبح حجي يقطع نحو ثلاثة كيلومترات للوصول إلى المستشفى، مستخدما عربة تجرها دابة بسبب صعوبة توفر وسائل النقل، وعندما يصل لا تنتهي المشكلة، فجلسة الغسيل التي كانت تستغرق أربع ساعات تقلصت إلى ساعتين بسبب نقص المستلزمات، فيما يصعب عليه الحصول على أدويته بانتظام.
تكشف رحلة حجي وجها آخر لأزمة الصحة في غزة، فبقاء مستشفى عاملا أو خدمة طبية متاحة لا يعني بالضرورة أن المريض يستطيع الوصول إليها والاستمرار في تلقيها، وبين النزوح المتكرر وصعوبة النقل ونقص الأدوية والمستلزمات وتراجع قدرة المرافق الصحية، أصبحت المسافة إلى العلاج جزءا من الخطر الصحي نفسه.
علاج لا يحتمل التأجيل
يعيش نحو 350 ألف شخص في غزة مع أمراض مزمنة تعطلت الخدمات الأساسية المقدمة لهم بشدة، فيما يواجه نحو 700 مريض يحتاجون إلى غسيل الكلى مخاطر مرتبطة بنقص المستلزمات الضرورية، وفق بيانات أممية منشورة في يوليو/تموز 2026.
وتظهر أزمة غسيل الكلى كيف يمكن لنقص المستلزمات أن يهدد استمرارية العلاج، ففي يوليو/تموز، أدى نقص مادة أساسية في مستشفى الشفاء إلى خروج نحو 45 إلى 50% من أجهزة الغسيل عن الخدمة، ما أثر في القدرة على تقديم العلاج لنحو 240 مريضا؛ وما أدى تاليا إلى تقليص جلسات الغسيل من ثلاث إلى اثنتين أسبوعيا، وخفض مدة الجلسة من أربع ساعات إلى ثلاث، في علاج لا يسمح انتظامه بمساحات واسعة للتأخير أو الانقطاع.
الإصابة ليست نهاية الرحلة
وفي 25 مايو/أيار 2026، كان الرضيع محمد الخطيب البالغ شهرين، مع والدته داخل خيمة في المواصي عندما تعرض المكان لهجوم؛ فقُتلت والدته وأصيب بجروح متعددة انتهت ببتر ساقه اليسرى. نجا الطفل بعد سلسلة من العمليات، لكن نجاته بدأت معها حاجة أخرى إلى العلاج والتأهيل طويل الأمد، فالطفل الذي خرج من الإصابة حيا سيحتاج إلى خدمات صحية وتأهيلية مستمرة في قطاع يعاني أصلا نقص المستلزمات والخدمات المتخصصة.
وتكشف حالتا محمد وحجي وجهين للمشكلة نفسها؛ الأول يحتاج إلى استمرارية الرعاية بعد إصابة غيرت حياته، والثاني يحتاج إلى بلوغ المستشفى مرارا للحصول على علاج لا يستطيع جسده الاستغناء عنه.
النزوح يغيّر خريطة العلاج
يقول الصحفي الفلسطيني نبيه كحيل لـ”صفر” إن المرضى النازحين يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى المستشفيات والاستمرار في العلاج، خصوصا أصحاب الأمراض المزمنة والحالات التي تحتاج إلى جلسات منتظمة.
ويضيف كحيل أن كثيرا منهم يضطرون إلى قطع مسافات طويلة وسط نقص وسائل النقل والوقود، بينما تعاني المرافق نفسها نقص الأدوية والمستلزمات، كما أن انتقال الأسرة من منطقة إلى أخرى قد يعني الابتعاد عن المستشفى أو الطبيب الذي يتابع الحالة، إلى جانب فقدان الأدوية أو صعوبة الحصول عليها مجددا، وتصبح هذه العوائق أكثر خطورة بالنسبة إلى مرضى غسيل الكلى والسرطان والأمراض المزمنة، إذ لا يستطيع هؤلاء ببساطة إيقاف العلاج أو تأجيله إلى أن تستقر ظروف النزوح.
أكثر من 40% فقدوا حياتهم
ويقول مدير مستشفى الشفاء الدكتور محمد أبو سليمة لـ”صفر” إن النزوح ألحق أثرا مباشرا بقدرة المرضى على الوصول إلى الرعاية، خصوصا مرضى غسيل الكلى والأمراض المزمنة.
ويشير أبو سليمة إلى أن أكثر من 40% من مرضى غسيل الكلى فقدوا حياتهم، رابطا ذلك بعمليات النزوح المتكررة وانتقال المرضى من مكان إلى آخر وما رافقها من صعوبة الوصول إلى جلسات الغسيل واستمرار العلاج.
ويضيف أن قدرة نحو 350 ألف مريض بالأمراض المزمنة على الوصول إلى الرعاية تأثرت أيضا، فيما حاولت وزارة الصحة والمؤسسات الشريكة سد بعض الفجوات بإنشاء نقاط ومراكز طبية في مناطق النزوح، إلا أن قدرتها لم تكن كافية في كثير من الأحيان أمام حجم الاحتياج.
ولا يقتصر الأثر، بحسب أبو سليمة، على الأمراض المزمنة، بل امتد إلى رعاية الأطفال وكبار السن والخدمات الإسعافية، فيما فاقم سوء التغذية المشكلات الصحية لدى الأطفال.
الحق لا يتوقف عند باب المستشفى
ويرى المتخصص في القانون الدولي الدكتور معاذ دلو أن حق المرضى في الوصول إلى الرعاية الصحية لا يسقط بسبب النزوح أو النزاع المسلح، بل تزداد أهمية حماية المدنيين وضمان وصول المرضى إلى العلاج، خصوصا من يحتاجون إلى رعاية مستمرة.
ويوضح لـ”صفر” أن القانون الدولي الإنساني يحمي المرضى والجرحى والمرافق الطبية والعاملين الصحيين، وأن تقييم تعذر العلاج يتطلب النظر إلى طبيعة القيود والجهة المسؤولة عنها ومدى تأثيرها على حياة المرضى وسلامتهم، بما يشمل إمكانية الوصول الآمن إلى المرافق والأدوية والمستلزمات الضرورية.
وبالنسبة إلى المرضى الذين يعتمدون على علاج دوري، يقول دلو، لا يكفي أن تكون الخدمة الطبية موجودة، بل ينبغي أن يكون الوصول إليها ممكنا فعليا وألا تؤدي ظروف النزوح أو القيود المفروضة على الحركة إلى حرمان المريض من العلاج الضروري.
المسافة التي لا تظهر في الأرقام
تقيس أرقام القطاع الصحي المستشفيات والأجهزة والأدوية والجلسات، لكنها لا تظهر دائما الطريق الذي يفصل المريض عنها، وبالنسبة إلى حجي أصبح هذا الطريق ثلاثة كيلومترات على عربة تجرها دابة، وتتكرر ثلاث مرات أسبوعيا، وبالنسبة إلى محمد، بدأت بعد النجاة رحلة أخرى من العمليات والتأهيل.
وفي غزة، قد يكون الفارق بين وجود العلاج والتمتع بالحق فيه هو قدرة المريض على الوصول إليه في الوقت الذي يحتاجه، فالمستشفى الذي يعمل لا يكفي مريضا يعجز عن بلوغه، والعلاج الدوري يفقد قدرته على إنقاذ الحياة إذا أصبح النزوح والمسافة ونقص المستلزمات عوامل تقطع الطريق إليه.
