تتزايد المخاوف الحقوقية والإنسانية في إيران مع استمرار تنفيذ أحكام الإعدام بوتيرة مرتفعة في عدد من السجون، وسط تقارير عن حرمان بعض السجناء من الزيارة الأخيرة أو إخطار عائلاتهم قبل تنفيذ الأحكام، إضافة إلى استمرار الضغوط على عائلات الضحايا والسجناء السياسيين والطلاب.
وتقول منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية كثفت خلال عام 2025 استخدام عقوبة الإعدام بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن إيران سجلت واحدة من أعلى حصائل الإعدام عالمياً، وأن كثيراً من الأحكام نُفذ بعد محاكمات تفتقر إلى ضمانات العدالة الكافية، خاصة في القضايا المرتبطة بالمخدرات أو الاتهامات الأمنية والسياسية.
وتؤكد منظمة حقوق الإنسان في إيران أن موجة الإعدامات شملت سجناء من خلفيات قومية ودينية مختلفة، بينهم مواطنون بلوش وأكراد وأفغان، في ظل مخاوف مستمرة من استخدام العقوبة بشكل غير متناسب ضد الفئات المهمشة والأقليات.
إعدامات دون وداع
تشير تقارير حقوقية إيرانية إلى تنفيذ أحكام إعدام خلال الأيام الأخيرة في عدد من السجون، بينها وكيل آباد في مشهد، ودستجرد في أصفهان، وقزل حصار في كرج، وسجون أخرى في تبريز وشيراز وكرمان وبندر عباس ورشت.
وتقول هذه التقارير إن بعض العائلات لم يتم إخطارها بموعد تنفيذ الحكم إلا بعد إتمامه، كما حُرم بعض السجناء من الزيارة الأخيرة أو التواصل الكافي مع أسرهم قبل الإعدام.
وتعد منظمات حقوقية إبلاغ العائلة بموعد التنفيذ وتمكينها من الوداع الأخير من أبسط الضمانات الإنسانية، وأن حرمان الأسر من ذلك يحول العقوبة إلى ألم ممتد يطول العائلة كلها، لا السجين وحده.
البلوش في قلب الأزمة
تُعد الأقلية البلوشية من أكثر الفئات حضوراً في تقارير الإعدام داخل إيران. وتشير منظمات حقوقية بلوشية وإيرانية إلى أن عشرات المواطنين البلوش أُعدموا خلال عام 2025 في قضايا مختلفة، بينها قضايا مخدرات وقتل واتهامات ذات طابع أمني أو سياسي.
ويرى نشطاء حقوق الإنسان أن ارتفاع أعداد المعدومين من البلوش لا يمكن فصله عن الفقر والتمييز البنيوي والحرمان المزمن في محافظة سيستان وبلوشستان، إضافة إلى ضعف فرص الوصول إلى محامين مستقلين وضمانات محاكمة عادلة.
وتؤكد منظمة حقوق الإنسان في إيران أن الأقليات العرقية في البلاد ممثلة بنسبة مرتفعة في إحصاءات عقوبة الإعدام، ما يثير مخاوف من أن تتحول العقوبة إلى أداة مضاعفة ضد الفئات الأكثر هشاشة.
إطلاق نار وضحايا مدنيون
إلى جانب الإعدامات، تتحدث تقارير محلية عن استمرار سقوط مدنيين، خصوصاً من البلوش والكرد، في حوادث إطلاق نار من القوات الحكومية أو العسكرية في مناطق حدودية وريفية.
وتشير المادة المتداولة إلى إصابة سائق بلوشي في منطقة خور كلاني بمدينة تشابهار بعد إطلاق نار مباشر على شاحنته، ووفاة مواطن بلوشي في إيرانشهر متأثراً بجراحه بعد نقله إلى المستشفى، وسط احتجاج عائلته على سوء المعاملة وتأخر الرعاية الطبية.
وفي كردستان، تحدثت تقارير محلية عن مقتل مواطن كردي عند معبر شومان الحدودي في بانه بنيران القوات الحكومية، مع تأخر تسليم جثمانه إلى أسرته، وهو ما أثار غضب العائلة ونشطاء حقوق الإنسان.
وتحتاج هذه الوقائع، بحسب منظمات حقوقية، إلى تحقيقات مستقلة وشفافة، خاصة عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة المميتة ضد مدنيين أو أشخاص غير مسلحين.
ضغط على السجينات والعائلات
تتحدث تقارير حقوقية إيرانية عن استمرار الضغوط على السجينات السياسيات في عدد من السجون، ومنها تقييد الوصول إلى العلاج، ورفض الإجازات، والتهديدات الأمنية، وعمليات النقل المفاجئة.
كما أفادت تقارير بأن عائلات بعض السجينات والضحايا تعرضت لاستدعاءات وتهديدات وضغوط أمنية، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالاحتجاجات أو إطلاق النار أو المطالبة بالحقيقة والعدالة.
وفي إحدى الحالات، قالت عائلة طالب يبلغ من العمر 22 عاماً قُتل في قزوين إن السلطات مارست ضغوطاً عليها لقبول الرواية الرسمية مقابل تسليم الجثمان، وهو نمط تقول منظمات حقوقية إنه تكرر مع عائلات أخرى خلال السنوات الأخيرة.
الطلاب تحت الملاحقة
امتدت الضغوط، بحسب تقارير طلابية وحقوقية، إلى الجامعات، حيث أفادت تقارير من جامعة طهران باستدعاء طلاب شاركوا في احتجاجات إلى لجان تأديبية عبر اتصالات هاتفية، وإلزامهم بتقديم دفاعهم دون عقد جلسات رسمية واضحة.
وتشير التقارير إلى استخدام صور منشورة على قنوات تابعة للباسيج بوصفها أدلة في ملفات تأديبية، ما أثار مخاوف بشأن استقلال المؤسسات الأكاديمية وحق الطلاب في التعبير والتنظيم وضمان الإجراءات العادلة داخل الجامعات.
ويرى نشطاء أن التضييق على الطلاب يأتي ضمن نمط أوسع يهدف إلى منع تشكل مساحات احتجاجية جديدة داخل المجتمع الإيراني، خاصة في الجامعات التي لعبت دوراً بارزاً في موجات الاحتجاج السابقة.
محاكمات غير عادلة
حذرت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومنظمات إيرانية من استمرار الاعتماد على الاعترافات القسرية، وفرض كفالات مالية باهظة، ونقل سجناء دون إخطار عائلاتهم، وحرمان بعض المحكوم عليهم بالإعدام من التواصل الفعال مع محاميهم.
وتؤكد هذه المنظمات أن الاعترافات المنتزعة تحت الضغط أو التعذيب لا يمكن أن تكون أساساً لمحاكمة عادلة، خاصة في القضايا التي قد تنتهي بعقوبة الإعدام؛ لأن الخطأ القضائي في هذه الحالات لا يمكن تداركه.
كما وردت تقارير عن دخول سجناء في إضرابات عن الطعام احتجاجاً على ظروف الاحتجاز، والحرمان من الرعاية الطبية، والضغوط الأمنية داخل السجون.
عفو لا يبدد المخاوف
أعلنت السلطة القضائية الإيرانية العفو عن 139 شخصاً محكوماً عليهم بالإعدام، وقدمت القرار باعتباره دليلاً على “الرأفة”، لكن نشطاء حقوق الإنسان يرون أن هذا الإعلان لا يغير من واقع استمرار تنفيذ الإعدامات في سجون مختلفة.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن العفو عن بعض المحكومين، رغم أهميته للأفراد الذين شملهم القرار، لا يبدد المخاوف من اتساع استخدام عقوبة الإعدام، ولا يعالج مشكلات غياب الشفافية وضمانات المحاكمة العادلة.
ولا يزال عدد من السجناء السياسيين والعقائديين والمدنيين، بحسب تقارير حقوقية، يواجهون خطر الإعدام في ظل قيود على الاتصال بالمحامين والعائلات.
سياسة ترهيب
يرى نشطاء حقوق الإنسان أن تصاعد الإعدامات لا يمكن فصله عن السياق السياسي والاجتماعي في إيران، حيث تتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتستمر المطالب الشعبية بالحريات والعدالة.
وبحسب هذا التقدير الحقوقي، تستخدم السلطات عقوبة الإعدام أداة لبث الخوف والسيطرة على المجال العام، خصوصاً عندما تتزامن مع قمع الطلاب، والضغط على عائلات الضحايا، واستهداف الأقليات، وتقييد عمل المحامين والنشطاء.
وفي الوقت الذي يتركز فيه الاهتمام الدولي غالباً على الملف النووي والتوترات الإقليمية، تقول منظمات حقوقية إن السجون الإيرانية تشهد أزمة إنسانية متصاعدة، تدفع ثمنها عائلات تنتظر خبراً عن أبنائها أو زيارة أخيرة قد لا تأتي.
أزمة حقوقية وإنسانية
تكشف موجة الإعدامات الأخيرة في إيران أزمة حقوقية وإنسانية تتجاوز تنفيذ الأحكام نفسها. فالمشكلة لا تتعلق فقط بعدد المعدومين، بل بطريقة تنفيذ الأحكام، وغياب الشفافية، وحرمان العائلات من المعرفة والوداع، وتزامن ذلك مع إطلاق نار على مدنيين، وضغوط على السجينات والطلاب وعائلات الضحايا.
وتؤكد هذه التطورات أن الحق في الحياة، والمحاكمة العادلة، والكرامة الإنسانية، وحق الأسر في معرفة مصير أبنائها، كلها أصبحت في قلب الأزمة الإيرانية الراهنة.
