منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

16 قضية بلا ادعاء بالقتل.. الإعدام يتسع في محاكمات محتجي إيران

19 سبتمبر 2026
16 قضية بلا ادعاء بالقتل.. الإعدام يتسع في محاكمات محتجي إيران
16 قضية بلا ادعاء بالقتل.. الإعدام يتسع في محاكمات محتجي إيران

خمسة أسابيع فقط فصلت بين اعتقال صالح محمدي وتنفيذ حكم الإعدام بحقه، كان في التاسعة عشرة من عمره، وبطلاً في المصارعة، قبل أن تنتهي حياته في مارس/آذار 2026 بعد محاكمة ارتبطت باحتجاجات شهدتها إيران، وسط اتهامات حقوقية بانتزاع اعترافات تحت التعذيب وحرمان متهمين من ضمانات أساسية للدفاع.

لكن قضية محمدي لا تختصر وحدها ما يجري، فقد أدين في مسار جنائي بالقتل وحكم عليه بالقصاص، إلى جانب إدانته أمام محكمة ثورية بتهمة “المحاربة”، أما المفارقة الأوسع فتظهر عند النظر إلى مجموعة المحتجين الذين نفذت بحقهم عقوبة الإعدام، فمن بين 29 شخصاً أعدموا بعد اعتقالهم على خلفية احتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، لم تتضمن التهم التي تحمل عقوبة الإعدام في 16 قضية أي ادعاء بقتل شخص.

وهنا ينتقل الملف من الجدل حول عقوبة الإعدام نفسها إلى حدود استخدامها، فالقانون الدولي يقيد تطبيقها في الدول التي لم تلغها، بـ”أشد الجرائم خطورة”، وهي عتبة فسرتها لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان بالجرائم البالغة الخطورة التي تنطوي على القتل العمد، كما تصبح ضمانات المحاكمة العادلة أكثر حساسية عندما تكون العقوبة نهائية ولا يمكن إصلاح أثرها بعد التنفيذ.

وبين 18 مارس/آذار ونهاية أغسطس/آب 2026، وثقت هيومن رايتس ووتش ومركز عبد الرحمن بوروماند لحقوق الإنسان في إيران إعدام 59 رجلاً على الأقل بتهم قالت المنظمتان إنها ذات دوافع سياسية أو صيغت بصورة فضفاضة وترتبط بالأمن القومي.

ومع وجود عشرات آخرين تحت أحكام الإعدام، يصبح السؤال الحقوقي أكثر تحديداً: إلى أي مدى بقي استخدام العقوبة داخل حدود “أشد الجرائم خطورة” وضمانات المحاكمة العادلة، وأين تجاوزها في القضايا المرتبطة بالاحتجاجات؟

59 إعداما.. خمسة أشهر من التصعيد

59 إعداماً في خمسة أشهر

من بين 59 رجلاً أعدموا خلال الفترة الممتدة من 18 مارس/آذار حتى نهاية أغسطس/آب، كان 29 على الأقل قد اعتقلوا على خلفية احتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، في حين ارتبطت ثلاث حالات على الأقل باحتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، وكان بعض الذين نفذت بحقهم الأحكام في الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من العمر.

وفي 58 قضية على الأقل من أصل 59، تضمنت الإدانات تهماً مثل “المحاربة” و”الإفساد في الأرض” و”التمرد المسلح” والتجسس و”العمل الميداني لمصلحة دول معادية”. وتقول المنظمتان إن الصياغة الفضفاضة لبعض هذه الجرائم سمحت بفرض الإعدام في قضايا تضمنت أفعالاً مزعومة مثل الإضرار بالممتلكات العامة أو الاعتداء غير المفضي إلى الموت أو حيازة أسلحة، من دون إثبات مسؤولية المتهم عن قتل شخص.

وفي 16 قضية من قضايا المحتجين الـ29 لم تتضمن التهم التي تحمل عقوبة الإعدام أي ادعاء بالقتل، وحتى في 10 على الأقل من القضايا الـ13 الأخرى، قالت الدولة إن المتهمين ارتبطوا بحوادث أوقعت قتلى، لكنها لم توجه إليهم تهمة القتل، وإنما أدينوا بجرائم مثل “المحاربة” و”الإفساد في الأرض”.

وفي 29 يوليو/تموز 2026، قالت منظمة العفو الدولية إن 60 شخصاً على الأقل ممن صدرت بحقهم أحكام بالإعدام على صلة بالاحتجاجات كانوا ما يزالون معرضين لخطر التنفيذ، بينهم ثلاثة اعتقلوا عندما كانوا أطفالاً، في حين كان آخرون يواجهون محاكمات بتهم يمكن أن تنتهي بالعقوبة نفسها.

أسابيع تفصل بين الاعتقال والموت

لا تتعلق المخاوف الحقوقية بنوع التهمة وحده، بل بالطريق القضائي الذي يصل عبره المتهم إلى الحكم. وتقول هيومن رايتس ووتش ومركز بوروماند إن الفترة بين الاعتقال والإعدام في القضايا المرتبطة بالاحتجاجات تراوحت من أكثر بقليل من خمسة أسابيع إلى أقل من ثمانية أشهر، في حين نفذت الغالبية العظمى من الأحكام خلال ستة أشهر من الاعتقال.

ووثقت المنظمتان إفادات عن الضرب والصعق الكهربائي والحبس الانفرادي والتهديد باعتداءات جنسية والإعدام الوهمي والحرمان من النوم والطعام بهدف انتزاع اعترافات، وفي بعض القضايا تراجع المتهمون أمام المحاكم عن اعترافاتهم وقالوا إنها انتزعت تحت التعذيب، في حين أشارت المنظمتان إلى قيود على قدرة المتهمين على اختيار محاميهم خلال التحقيقات الأولية وإعداد دفاع فعال في قضايا قد تنتهي بالموت.

وفي حالة صالح محمدي، تشير وثائق المحكمة التي راجعتها المنظمتان إلى أنه حوكم أمام محكمة جنائية بتهمة قتل أحد عناصر قوات الأمن وأدين بالقتل وحكم عليه بالقصاص، بالتوازي مع محاكمته أمام محكمة ثورية بتهمة “المحاربة”. وقال محمدي أمام المحكمة إن اعترافاته انتزعت تحت التعذيب، قبل أن ينفذ الحكم بحقه بعد نحو خمسة أسابيع من اعتقاله.

متى يسمح القانون الدولي بالإعدام؟

أين يضع القانون الدولي الحد؟

إيران طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحمي الحق في الحياة ويضع قيوداً على استخدام عقوبة الإعدام بالنسبة إلى الدول التي لم تلغها، ويقصر العهد تطبيق العقوبة على “أشد الجرائم خطورة”، وفسرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان هذه العبارة بأنها الجرائم البالغة الخطورة التي تنطوي على القتل العمد.

كما أن صدور حكم بالإعدام بعد محاكمة لا تستوفي ضمانات المحاكمة العادلة قد يجعل الحرمان من الحياة تعسفياً، وتشمل هذه الضمانات عدم استخدام الاعترافات القسرية، وحق المتهم في دفاع فعال ومحكمة مستقلة ومحايدة وافتراض البراءة.
لهذا تحمل الحالات الـ16 التي لم تتضمن التهم الرأسمالية فيها ادعاء بقتل أهمية خاصة؛ لأنها تضع استخدام العقوبة مباشرة أمام الحد الذي يرسمه القانون الدولي للدول التي ما تزال تطبقها.

 

رواية السلطات

في المقابل، تقدم السلطات الإيرانية رواية مختلفة عن توصيف المنظمات الحقوقية لهذه القضايا، وتقول إن أحكام الإعدام لا تصدر بسبب المشاركة في الاحتجاجات أو التعبير عن المعارضة، وإنما في قضايا تتضمن، بحسب روايتها، جرائم يعاقب عليها القانون الإيراني، منها القتل و”المحاربة” و”الإفساد في الأرض” والتجسس وأفعال تمس الأمن القومي.

ففي قضية صالح محمدي، تقول الرواية القضائية الإيرانية إنه اتهم بالمشاركة في واقعة انتهت بمقتل أحد عناصر قوات الأمن، وأدين أمام محكمة جنائية بالقتل وحكم عليه بالقصاص، إلى جانب إدانته أمام محكمة ثورية بتهمة “المحاربة”.

وفي قضية أمير حسين حاتمي وستة متهمين آخرين، قالت وكالة “ميزان” التابعة للسلطة القضائية إن المجموعة حاولت اقتحام قاعدة للباسيج والاستيلاء على أسلحة وذخائر. وهي رواية تضع القضية، من وجهة نظر السلطات، في إطار أعمال تمس الأمن وليست مجرد مشاركة في احتجاج.

غير أن هذه الرواية لا تحسم الإشكال الحقوقي الذي يطرحه التقرير، ففي قضية حاتمي ورفاقه، لم تتهم السلطات الأشخاص السبعة بقتل أو إصابة أحد، رغم صدور أحكام بالإعدام بحقهم بتهمتي “المحاربة” و”الإفساد في الأرض”. وهنا يقع جوهر الخلاف بين السلطات والمنظمات الحقوقية: ليس حول تجريم بعض الأفعال فحسب، وإنما حول ما إذا كانت تبلغ عتبة “أشد الجرائم خطورة” التي يسمح القانون الدولي معها باستخدام عقوبة الإعدام.

ولم يعثر التقرير على رد رسمي إيراني مباشر على الانتقادات المحددة المتعلقة بالحالات الـ16 التي لم تتضمن التهم المؤدية إلى الإعدام فيها ادعاء بقتل شخص، أو على الاتهامات باستخدام اعترافات منتزعة تحت التعذيب في القضايا التي تناولتها المنظمات الحقوقية.

وبذلك لا يدور الخلاف فقط حول ما إذا ارتكب بعض المحتجين أفعالاً يعاقب عليها القانون، بل حول ما إذا كانت تلك الأفعال تبلغ العتبة التي تسمح بفرض عقوبة الإعدام، وما إذا كانت الإجراءات القضائية التي أثبتتها وفرت ضمانات المحاكمة العادلة.

 

الإعدام والردع

يقول المتخصص في الشأن الإيراني وعضو اللجنة المركزية لحزب التضامن الديمقراطي الأهوازي منصور الوائلي لـ”صفر” إن تصاعد الإعدامات يرتبط، في تقديره، بمحاولة السلطات ردع الشارع بعد موجة الاحتجاجات، ويرى أن القيود الأمنية والإعلامية تجعل توثيق الحجم الكامل للإعدامات أكثر صعوبة.

ويطالب الوائلي بتوسيع التوثيق المستقل وحماية الشهود وعائلات المعتقلين والضحايا، معتبراً أن قدرة الأسر والمنظمات على الحديث عن القضايا تمثل جزءاً أساسياً من الرقابة على الإجراءات القضائية.

ويؤكد مدير مركز الدراسات العربية والإيرانية في لندن، واللاجئ الإيراني الدكتور علي نوري زاده، في تصريح لـ”صفر“، أن السلطات الإيرانية تواصل تصعيد حملات القمع والإعدامات بحق المشاركين في الاحتجاجات والداعين إليها منذ أحداث يناير/كانون الثاني الماضي.

ويقول نوري زاده إن الأجهزة الأمنية توجه تحذيرات إلى الداخل يجري فيها التعامل مع معارضة النظام باعتبارها شكلاً من أشكال “العداء الحربي”، ومع المعارضين باعتبارهم جواسيس و”طابوراً خامساً للعدو”، على حد وصفه.

ويضيف: “النظام الآن في وضع حرج؛ لأن الأوضاع الاقتصادية متردية للغاية، واحتمالات عودة الشعب إلى الشارع كبيرة، وهذا ما يفسر نشر آلاف العناصر الأمنية في مختلف المدن والبلدات الصغيرة”، معتبراً أن تنفيذ الإعدامات يأتي ضمن سياسة تستهدف ردع الشارع الذي تخشى السلطات عودته إلى الاحتجاج.

وتتقاطع فرضية استخدام الإعدام للردع مع تقييم منظمات حقوقية دولية، فقد قالت منظمة العفو الدولية في يوليو/تموز إن التصعيد يمثل استخداماً لعقوبة الإعدام لقمع المعارضة، في حين قالت هيومن رايتس ووتش ومركز بوروماند إن الإجراءات الموجزة والاعترافات المرتبطة بالتعذيب والإعدامات العلنية تستخدم لإشاعة الخوف وردع مزيد من المعارضة، وهي توصيفات المنظمات الحقوقية وليست موقفاً تتبناه السلطات الإيرانية.

ونفذت السلطات خمسة من الإعدامات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش ومركز بوروماند علناً، وتعتبر المنظمتان أن الإعدام العلني يضيف إلى الحرمان من الحياة بعداً ترهيبياً ويتعارض مع الحظر الدولي للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

16 حكما بالإعدام .. من دون ادعاء بقتل شخص

16 قضية ترسم حدود المسألة

قد تختلف رواية السلطات والمنظمات الحقوقية بشأن الاحتجاجات والأفعال التي ارتكبها بعض المشاركين فيها، لكن عقوبة الإعدام تضع معياراً قانونياً أعلى من مجرد ثبوت ارتكاب جريمة.

ففي الدول التي ما تزال تحتفظ بالعقوبة، لا يكفي أن يكون الفعل مُجرَّماً حتى يصبح الإعدام عقوبة مسموحاً بها وفق القانون الدولي، ولا يكفي صدور الحكم عن محكمة إذا كانت الإجراءات التي سبقته لا توفر الضمانات المطلوبة في قضية تنتهي بالموت.

وتكشف القضايا الـ16 جوهر المشكلة، حيث لم تتضمن التهم التي تحمل عقوبة الإعدام فيها ادعاء بأن المتهم قتل شخصاً، ومع ذلك انتهت حياة المحكوم عليهم بعقوبة لا يمكن التراجع عنها، وفي عقوبة لا يمكن للقضاء إصلاح أثرها بعد التنفيذ، تصبح عدالة الطريق إلى الحكم جزءاً من حماية الحق في الحياة نفسه.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان