حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” من أن نحو 16 مليون أفغاني سيحتاجون إلى خدمات المياه النظيفة والصرف الصحي والنظافة العامة خلال عام 2026، في أزمة تتفاقم بفعل الجفاف المتكرر، وضعف البنية التحتية، والفقر، وعودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين إلى مناطق لا تملك ما يكفي من الخدمات الأساسية.
ووفق ما نقلته وكالة “خاما برس” الأفغانية، حذر المكتب الأممي من أن نقص المياه النظيفة يعرض الأطفال لمخاطر صحية كبرى، ويعطل أنشطة الحياة اليومية، ويدفع المجتمعات الضعيفة إلى تبني آليات تكيف قاسية في ظل تدهور الأوضاع.
وقدّر تقرير “أوتشا” عدد المحتاجين إلى المياه النظيفة والصرف الصحي في 2026 بنحو 16 مليون شخص.
أزمة إنسانية متفاقمة
لا تمثل أزمة المياه في أفغانستان مشكلة خدمية فقط، بل جزءاً من أزمة إنسانية أوسع، فقد أكد أوتشا في خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 أن نحو 21.9 مليون شخص، أي ما يقارب 45% من السكان، سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية خلال العام.
وتأتي احتياجات المياه والصرف الصحي ضمن أكبر مجالات الاحتياج في أفغانستان، إلى جانب الحماية والأمن الغذائي والزراعة والصحة والتغذية.
وتقول تقارير إنسانية إن احتياجات هذا القطاع ترتبط بعودة أعداد كبيرة من اللاجئين، والجفاف طويل الأمد، وتفشي الأمراض، والفيضانات، والزلازل، ونقص المياه خلال الشتاء.
الجفاف يضغط على المجتمعات
تعاني أفغانستان موجات جفاف متكررة قلصت مصادر المياه وأضعفت الزراعة والثروة الحيوانية، وهي قطاعات يعتمد عليها ملايين السكان في الغذاء والدخل.
ووفق تقديرات أممية نقلتها وسائل إعلام دولية، يتأثر 67% من الأسر في أفغانستان بالجفاف وندرة المياه، في حين يعتمد 32% من السكان على مصادر مياه غير آمنة، ولا يحصل 18% على ما يكفي من مياه الشرب الآمنة.
وفي مايو 2026 قال أوتشا إن الجفاف خلال عام 2025 أثر في 3.4 مليون شخص في شمال وغرب أفغانستان، وأضر بالمحاصيل والماشية وسبل العيش، ما زاد من هشاشة الأسر التي تعتمد على الزراعة والرعي.
الأطفال في دائرة الخطر
تزداد خطورة نقص المياه النظيفة على الأطفال؛ لأن المياه الملوثة وسوء الصرف الصحي يرفعان احتمالات الإصابة بالإسهال وسوء التغذية والأمراض المعدية.
وفي بلد يعاني أصلاً ضعف الخدمات الصحية وسوء التغذية، يمكن أن يتحول نقص المياه إلى عامل مضاعف للأزمات.
وتؤكد اليونيسف أنها تعد من الجهات الرئيسة العاملة في قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة في أفغانستان، وأنها تنفذ حلولاً مثل المضخات العاملة بالطاقة الشمسية والمنشآت المقاومة لتغير المناخ، بهدف إيصال المياه النظيفة إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً.
عودة اللاجئين تزيد الضغط
تفاقمت أزمة المياه أيضاً بسبب عودة أعداد كبيرة من الأفغان من دول الجوار، خصوصاً إيران وباكستان، فالعائدون غالباً ما يصلون إلى مناطق تعاني أصلاً من نقص الخدمات، ما يزيد الضغط على الآبار، وشبكات المياه، والمرافق الصحية، والمدارس والمراكز الطبية.
وتحذر الأمم المتحدة من أن العودة غير المنظمة والواسعة قد تؤدي إلى زيادة الاحتياجات الإنسانية داخل أفغانستان، خصوصاً في المجتمعات الفقيرة التي لا تمتلك القدرة على استيعاب أعداد إضافية من السكان دون دعم خارجي.
وأحد أسباب الأزمة هو ضعف البنية التحتية لإدارة المياه. فالسنوات الطويلة من النزاع، والفقر، وضعف الاستثمار، وتغير المناخ، جعلت شبكات المياه والصرف الصحي عاجزة عن تلبية الاحتياجات، خصوصاً في المناطق الريفية والمجتمعات العائدة والنازحة.
وتشير بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان إلى أن أزمة المناخ في البلاد تتعمق، وأن الإنتاج الزراعي يتراجع، والوصول إلى مياه الشرب الآمنة ينكمش، وأن بعض الأسر باتت تنزح بحثاً عن المياه، في حين يؤدي التنافس على الموارد المحدودة إلى زيادة التوترات المحلية.
تمويل غير كافٍ
رغم اتساع الاحتياج، تواجه الاستجابة الإنسانية في أفغانستان أزمة تمويل، فخطة أوتشا لقطاع المياه والصرف الصحي تستهدف الوصول إلى 7.8 مليون شخص فقط من أصل 15.9 مليون محتاج، ما يعني أن ملايين آخرين قد يبقون دون دعم كافٍ إذا لم تتوفر الموارد.
ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن نقص التمويل سيجبر المنظمات على تقليص أعمال إصلاح شبكات المياه، وتوفير المراحيض، وتعقيم المياه، ودعم المجتمعات المتضررة من الجفاف، وهي خدمات قد تبدو بسيطة لكنها تمنع انتشار الأمراض وتحمي حياة الأطفال.
وتكشف أرقام أوتشا أن أزمة المياه في أفغانستان لم تعد أزمة موسمية أو محلية، بل تهديد إنساني واسع يطول ملايين البشر. فحين يحتاج نحو 16 مليون شخص إلى مياه نظيفة وصرف صحي، يصبح الماء مسألة بقاء لا خدمة عادية.
وفي بلد يعيش تحت ضغط الجفاف والفقر وعودة اللاجئين وضعف البنية التحتية، لا يكفي حفر آبار مؤقتة أو توزيع مياه لفترات قصيرة، والمطلوب استجابة طويلة الأمد تعيد بناء شبكات المياه، وتحسن إدارة الموارد، وتدعم المجتمعات الضعيفة، وتحمي الأطفال من أمراض يمكن الوقاية منها.
