بدأت السلفادور هذا الأسبوع واحدة من أكبر المحاكمات الجماعية في تاريخها الحديث، إذ يمثل 486 متهمًا من عصابة مارا سالفاتروتشا (MS-13) أمام القضاء، في إطار الحملة الواسعة التي يقودها الرئيس نجيب بوكيلي ضد العصابات منذ فرض حالة الطوارئ في مارس 2022.
وبحسب ما ذكرت وكالة رويترز، عُقدت الجلسات داخل سجن سيكوت شديد الحراسة، حيث تابع أكثر من مئة متهم مكبّلين بالأيدي والأرجل مجريات المحاكمة عبر شاشة كبيرة، بينما شارك آخرون عبر الفيديو من سجون مختلفة.
وتقول النيابة العامة إن المتهمين يواجهون اتهامات تتعلق بأكثر من 47 ألف جريمة ارتُكبت بين 2012 و2022، وتشمل القتل والقتل بحق النساء والابتزاز والاتجار بالسلاح وأفعالًا أخرى مرتبطة بالعمل العصابي.
وتسعى السلطات إلى توقيع أقصى العقوبات، مع احتمال أن يواجه بعض المتهمين أحكامًا تصل إلى 245 عامًا.
هذا الرقم يختلف عن بعض الأرقام المتداولة في تغطيات أخرى تحدثت عن 29 ألف جريمة أو 29 ألف قتيل، لكن أحدث رواية موثقة اطلعتُ عليها من رويترز تشير إلى 47 ألف جريمة لا إلى 29 ألفًا.
شهادات دامية
خلال الجلسات، استمعت المحكمة إلى شهادات وصفت أساليب تعذيب وقتل مروعة نُسبت إلى العصابة، بينها حرق أجساد الضحايا وتعذيبهم بأوامر من قيادات عليا.
كما قال شهود محميون إن قادة العصابة كانوا يصدرون أوامر القتل من داخل السجون فيما يُعرف محليًا بفتح “الصمامات”، أي إطلاق موجات من العمليات الإجرامية من خلف القضبان، هذا البعد كان حاضرًا بقوة في الخطاب الرسمي، الذي يريد تقديم المحاكمة باعتبارها مرافعة كبرى ضد البنية القيادية للعصابة لا مجرد ملاحقة لأفراد متفرقين.
وتندرج المحاكمة ضمن استراتيجية أوسع أطلقها الرئيس بوكيلي بعد موجة عنف دامية في مارس 2022، حين فُرضت حالة طوارئ لا تزال ممتدة حتى اليوم.
ومنذ ذلك التاريخ، اعتُقل أكثر من 91,500 شخص للاشتباه في صلتهم بعصابتي إم إس-13 وباريو 18، في أكبر حملة أمنية تشهدها البلاد منذ عقود.
وتقول الحكومة إن هذه السياسة أدت إلى خفض حاد في معدلات القتل، إذ تراجع المعدل من 7.8 لكل 100 ألف نسمة في 2022 إلى 1.3 في العام التالي، وهو ما تستخدمه السلطة بوصفه الدليل الأهم على نجاح المقاربة الأمنية.
محاكمات مثيرة للجدل
هذه المقاربة نفسها هي ما يثير الاعتراض الأكبر من المنظمات الحقوقية؛ فالمحاكمة الجارية ليست فقط واسعة من حيث العدد، بل تستند أيضًا إلى تشريعات أُقرت خلال حالة الطوارئ وتسمح بـالمحاكمات الجماعية والاحتجاز المطول وتقليص بعض ضمانات الدفاع.
وذكرت رويترز أن المتهمين في هذه القضية لا يُحاكمون بالضرورة على كل جريمة فردية على حدة، بل إن جزءًا رئيسيًا من الملاحقة يقوم على الانتماء العصابي في إطار ملف ضخم ومغلق أمام الجمهور.
وتقول منظمات حقوقية إن هذا النموذج يهدد الحق في الدفاع الفردي والمحاكمة العادلة والشفافية القضائية.
القلق الحقوقي لم يعد مقتصرًا على المنظمات غير الحكومية، بل امتد إلى الأمم المتحدة نفسها، ففي فبراير 2026، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إنه يشعر بالقلق من استمرار حالة الطوارئ لأربع سنوات في السلفادور ومن استخدام المحاكمات الجماعية، مشددًا على أن مكافحة الجريمة المنظمة يجب أن تتم مع احترام الأصول القانونية الواجبة، كما أعرب عن انزعاجه من التقارير التي تتحدث عن أعداد مرتفعة من الوفيات أثناء الاحتجاز.
مخاوف من الإدانة الخاطئة
وفي مراجعات أممية أخرى خلال فبراير 2026، أشار خبراء لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة إلى أن حالة الطوارئ في السلفادور ارتبطت باعتقالات جماعية وتعسفية ومحاكمات سريعة وجماعية، وقالوا إن هذه الممارسات أدت، بحسب تقارير، إلى احتجاز وإدانة أشخاص خطأ، بمن فيهم بعض ضحايا الاتجار بالبشر.
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد حذّرت منذ 2023 من أن كثيرًا من التوقيفات قد يكون تعسفيًا، وأن بعضها استند إلى تنميط خشن على أساس المظهر أو الخلفية الاجتماعية، مع الإشارة آنذاك إلى أن أكثر من 67 ألف شخص كانوا قد اعتقلوا بالفعل خلال السنة الأولى من الطوارئ.
