منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“هوليوود المغرب”.. متحف للسينما يعزز حق الجمهور في الثقافة

17 يوليو 2026
المغرب.. متحف السينما في ورزازات
المغرب.. متحف السينما في ورزازات

يمثل متحف السينما في ورزازات أكثر من فضاء سياحي لعرض معدات وأزياء وديكورات قديمة؛ فهو جزء من ذاكرة بصرية صنعت شهرة المدينة المغربية بوصفها إحدى عواصم التصوير السينمائي في إفريقيا، وموقعاً يربط بين التراث المحلي، والصناعة الإبداعية، والحق في الوصول إلى الثقافة.

يقع متحف السينما في مدينة ورزازات، بالقرب من قصبة تاوريرت، في واحدة من أكثر المناطق المغربية ارتباطاً بالصناعة السينمائية الدولية.

ويعرض المتحف معدات تصوير قديمة، وديكورات، وأزياءً، ودعائم استخدمت في أعمال سينمائية صُورت في المنطقة، ما يتيح للزائر الاقتراب من كواليس التصوير وفهم الدور الذي لعبته ورزازات في تحويل الصحراء والقصبات والفضاءات التاريخية إلى مواقع سينمائية عالمية.

وتصف بوابة مدينة ورزازات السياحية المتحف بأنه فضاء مخصص لذاكرة السينما في المدينة، افتُتح عام 2007، داخل موقع كان في الأصل استوديو تصوير أنشأته شركة إنتاج إيطالية عام 1981، ويضم مجموعات من الديكورات والأدوات السينمائية القديمة.

من استوديو إلى متحف

لا يقوم المتحف على فكرة العرض التقليدي للأدوات فقط، بل على إعادة إدخال الزائر إلى عالم التصوير، فبدلاً من قاعات جامدة، يمر الزائر بين ديكورات تشبه المعابد القديمة، والممرات، والفضاءات التاريخية التي استخدمت لتصوير مشاهد سينمائية، إلى جانب معدات إضاءة وكاميرات وملابس ودعائم.

وتشير منصة “Discover Ouarzazate” إلى أن المتحف يقع أمام قصبة تاوريرت وبجوار المركب الحرفي في المدينة، وأنه يمتد على مساحة تقارب هكتارين، ويضم عدة ديكورات مرتبطة بتاريخ الأفلام المصورة في المنطقة، كما تذكر أن الموقع بدأ بوصفه فضاء تصوير عام 1981، قبل افتتاحه رسمياً بصفته متحفاً يوم 30 يوليو 2007.

ويمنح هذا التحول قيمة خاصة للمكان؛ فهو ليس متحفاً منفصلاً عن بيئته، بل جزء من تاريخ إنتاجي حقيقي عرفته المدينة، حيث تحولت مواقع التصوير القديمة إلى ذاكرة مفتوحة أمام الجمهور.

ورزازات مدينة سينمائية

تُستمد أهمية المتحف من مكانة ورزازات نفسها في الخريطة السينمائية، فقد اختارت منظمة اليونسكو مدينة ورزازات ضمن شبكة المدن المبدعة، ووصفتها بأنها واحدة من المراكز السينمائية في المنطقة، تستضيف سنوياً ما بين 15 و20 إنتاجاً سينمائياً وتلفزيونياً.

هذا الاعتراف يعكس أن السينما في ورزازات ليست نشاطاً عارضاً، بل جزء من هوية المدينة الاقتصادية والثقافية، فالمنطقة استفادت من تنوع المناظر الطبيعية، ووجود القصبات، واتساع الصحراء، والبنية الإنتاجية التي صنعتها الاستوديوهات، ما جعلها قادرة على استقبال أفلام ومسلسلات عالمية.

ويشير المركز السينمائي المغربي إلى أن المغرب يمتلك تقليداً طويلاً في استقبال الإنتاجات الأجنبية منذ بدايات القرن العشرين، وأن المركز الذي تأسس عام 1944 يعد من أقدم المؤسسات العمومية في العالم المكلفة بتنظيم وتشجيع السينما.

المتحف والحق في الثقافة

من زاوية حقوقية، لا تقتصر أهمية متحف السينما على قيمته السياحية، فإتاحة التراث السينمائي للجمهور تدخل ضمن الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والتمتع بالفنون، وهو حق تؤكده المواثيق الدولية، ومنها المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تقر بحق كل إنسان في المشاركة في الحياة الثقافية والانتفاع بفوائد التقدم العلمي وتطبيقاته.

وبهذا المعنى، فإن متحف السينما في ورزازات يؤدي وظيفة ثقافية مزدوجة: يحفظ جزءاً من ذاكرة الصناعة السينمائية، ويتيحها للزوار والطلبة والمهتمين، ما يعزز الوصول العام إلى الثقافة والفنون.

ويمنح المتحف صورة ملموسة عن دور العمال والفنيين المحليين الذين أسهموا في إنجاز أعمال سينمائية عالمية، فخلف كل فيلم صُوِّر في ورزازات توجد مهن عدة: نجارون، حدادون، حرفيون، مصممو ديكور، تقنيون، كومبارس، وسائقون، وهو ما يجعل الذاكرة السينمائية جزءاً من تاريخ اجتماعي واقتصادي للمدينة، لا مجرد سجل للأفلام.

أثر اقتصادي واجتماعي

توضح التجربة السينمائية في ورزازات أن الثقافة يمكن أن تكون مصدراً للتنمية المحلية. فوجود المتحف بجوار قصبة تاوريرت يجعله جزءاً من مسار سياحي وثقافي متكامل، يجمع بين العمارة التقليدية والتراث السينمائي.

وتشير تقارير عن صناعة السينما في ورزازات إلى أن الإنتاجات السينمائية لا تخلق فرصاً للممثلين والمخرجين فقط، بل تنعكس أيضاً على الفنادق والمطاعم والنقل والحرفيين والعمال المحليين.

ونقلت “أرامكو وورلد” عن مسؤولين في استوديوهات ورزازات أن زيادة الإنتاجات السينمائية تفتح فرصاً للممثلين والفنيين، وتدعم دخل قطاعات محلية متعددة من سائقي سيارات الأجرة إلى المطاعم.

ومن هنا، يمكن النظر إلى المتحف بوصفه امتداداً اقتصادياً وثقافياً لهذا النشاط؛ فهو يحافظ على حضور المدينة في المخيال السينمائي، ويشجع الزوار على اكتشاف مواقع التصوير والاستوديوهات والقصبات المحيطة.

بين الذاكرة والتحديات

رغم أهميته، يحتاج متحف السينما في ورزازات إلى تطوير دائم حتى لا يبقى مجرد مساحة لعرض ديكورات وأدوات قديمة، فالمتاحف المعاصرة لم تعد تكتفي بالعرض الصامت، بل تعتمد على الشرح التفاعلي، والأرشيف الرقمي، والشهادات المصورة، والربط بين القطع المعروضة والسياق التاريخي والاجتماعي الذي أنتجها.

وتظهر بعض مراجعات الزوار على منصات سياحية أن التجربة داخل المتحف ممتعة وقريبة من عالم التصوير، لكنها تحتاج إلى مزيد من الشرح والتوثيق والعرض الحديث حتى تتحول إلى متحف سينمائي كامل يقدم تاريخ السينما في المغرب وورزازات بصورة أعمق.

وهذا التحدي مهم من منظور ثقافي وحقوقي؛ فحفظ الذاكرة لا يعني فقط الاحتفاظ بالأشياء، بل تفسيرها وربطها بالجمهور، خصوصاً الأجيال الجديدة التي قد لا تعرف كيف أصبحت ورزازات بوابة عالمية للتصوير.

متحف يحكي مدينة

تكمن قيمة متحف السينما في أنه يحكي قصة مدينة عاشت طويلاً بين الصحراء والكاميرا، فالمتحف لا يعرض معدات تصوير فقط، بل يروي كيف تحولت ورزازات من مدينة جنوبية على أبواب الصحراء إلى موقع عالمي لصناعة الخيال السينمائي.

وبين قصبة تاوريرت، واستوديوهات أطلس، وديكورات الأفلام، يشكل المتحف حلقة في سلسلة كبرى.. سلسلة تربط التراث المعماري المغربي بالصناعة الثقافية، وتربط السياحة بحق الجمهور في معرفة ذاكرته الفنية والوصول إليها.

متحف السينما في ورزازات ليس مجرد محطة سياحية لالتقاط الصور وسط ديكورات قديمة، بل فضاء لحفظ ذاكرة بصرية صنعت جزءاً من شهرة المغرب عالمياً.

ومن خلال عرض الكاميرات والأزياء والدعائم ومواقع التصوير، يتيح المتحف للزوار فهم العلاقة بين المدينة والسينما، وبين الثقافة والتنمية، وبين التراث المحلي والصناعة الإبداعية الدولية.

وحتى يظل المتحف فاعلاً، يحتاج إلى مزيد من التوثيق والتحديث والتفاعل مع الجمهور، حتى يتحول من أرشيف صامت إلى منصة حية لتاريخ السينما المغربية وحق الناس في الثقافة.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية