منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مراسلون بلا حدود: مئات الإعلاميين يفرون من قبضة طالبان الأفغانية

20 يونيو 2026
صحفيين وإعلاميين أفغان
صحفيين وإعلاميين أفغان

كشفت منظمة مراسلون بلا حدود عن تصاعد مقلق في أعداد الصحفيين الذين يغادرون أوطانهم هرباً من القمع والتهديدات الأمنية، مؤكدة أن أفغانستان تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أبرز بؤرة عالمية لنفي الصحفيين. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن مستقبل حرية الصحافة في عدد متنامٍ من الدول التي تشهد تضييقاً على العمل الإعلامي واستهدافاً متواصلاً للصحفيين.

وذكرت منظمة مراسلون بلا حدود في تقرير بمناسبة اليوم العالمي للاجئين أن ما لا يقل عن 677 صحفياً أفغانياً غادروا بلادهم منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة، وذلك بدعم مباشر من المنظمة التي عملت على مساعدتهم في مغادرة البلاد نتيجة التهديدات المتزايدة التي واجهوها. ويشكل هذا الرقم نحو نصف إجمالي الصحفيين المنفيين الذين تقدم لهم المنظمة الدعم حول العالم، ما يعكس حجم الأزمة التي تعيشها الصحافة الأفغانية في المرحلة الحالية.

تضييق متواصل على الإعلام

وربط التقرير بين موجة النزوح الواسعة للصحفيين الأفغان والتدهور الحاد الذي أصاب البيئة الإعلامية في البلاد خلال الأعوام الأخيرة. وأوضح أن السلطات فرضت قيوداً واسعة على وسائل الإعلام والصحفيين، بالتوازي مع تصاعد التهديدات الأمنية والاعتقالات التعسفية وتقييد الحريات العامة، الأمر الذي دفع مئات العاملين في القطاع الإعلامي إلى البحث عن ملاذ آمن خارج حدود البلاد.

وأشار التقرير إلى أن عام 2022 شهد أكبر موجة نزوح للصحفيين الأفغان، بعدما اضطر 183 صحفياً إلى مغادرة البلاد خلال عام واحد فقط، لكن الظاهرة لم تتوقف عند تلك المرحلة، إذ استمرت وتيرتها خلال السنوات اللاحقة، حيث غادر 82 صحفياً أفغانياً آخرين البلاد خلال عام 2025 وحده، ما يؤكد استمرار الضغوط التي تدفع الإعلاميين إلى الرحيل.

المنفى لا ينهي المعاناة

ورغم نجاح العديد من الصحفيين في مغادرة أفغانستان، فإن تقرير المنظمة يؤكد أن رحلة المعاناة لا تنتهي بمجرد الوصول إلى دولة أخرى. فالكثير من الصحفيين الأفغان يعيشون حالياً في أوضاع قانونية ومعيشية غير مستقرة، خاصة في الدول المجاورة التي استقبلت أعداداً كبيرة منهم خلال السنوات الماضية.

وأوضح التقرير أن هؤلاء الصحفيين يواجهون سلسلة من العقبات اليومية تشمل صعوبة الحصول على الإقامة القانونية، وغياب تصاريح العمل، والقيود الإدارية المعقدة، فضلاً عن محدودية فرص الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية. كما يواجه بعضهم خطر الاحتجاز أو الترحيل، الأمر الذي يضاعف من حجم الضغوط النفسية والمهنية التي يتعرضون لها.

قلق متزايد من الترحيل القسري

وسلط التقرير الضوء على أوضاع الصحفيين الأفغان الموجودين في باكستان، حيث أظهرت التحقيقات التي أجرتها المنظمة أن سياسة الترحيل الواسعة التي طالت المهاجرين الأفغان أدت إلى إعادة عشرات الصحفيين قسراً إلى أفغانستان.

وأكدت المنظمة أن هذه العودة القسرية تضع الصحفيين أمام مخاطر جدية، إذ يواجه بعضهم احتمالات التعرض للاعتقال أو الملاحقة أو التضييق بسبب طبيعة عملهم السابق. وترى المنظمة أن هذه التطورات تثير مخاوف متزايدة بشأن سلامة الصحفيين الذين اضطروا إلى الفرار من بلادهم هرباً من التهديدات نفسها.

ظاهرة عالمية تتسع

ولم تعد أزمة نفي الصحفيين مقتصرة على أفغانستان وحدها، بحسب التقرير، بل أصبحت ظاهرة عالمية آخذة في الاتساع. فقد ارتفع عدد الدول التي شهدت فرار صحفيين منها خلال السنوات الخمس الأخيرة من 19 دولة إلى 40 دولة، في مؤشر واضح على تدهور أوضاع حرية الصحافة في مناطق متعددة من العالم.

وكشفت إحصاءات المنظمة أن أكثر من 1400 صحفي من 65 دولة على الأقل اضطروا إلى مغادرة أوطانهم خلال الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2025. وتعكس هذه الأرقام اتساع دائرة التهديدات التي تستهدف العاملين في المجال الإعلامي، سواء من جانب السلطات أو الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.

روسيا وميانمار ضمن بؤر النزوح

وأشار التقرير إلى أن روسيا جاءت في مقدمة الدول التي سجلت موجات كبيرة من هجرة الصحفيين خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا وتشديد السلطات الروسية إجراءاتها ضد وسائل الإعلام المستقلة والمنتقدة للسياسات الرسمية.

كما شهدت ميانمار موجة واسعة من نزوح الصحفيين عقب الانقلاب العسكري الذي وقع عام 2021، حيث فرضت السلطات قيوداً مشددة على وسائل الإعلام، ما دفع العديد من الصحفيين إلى اللجوء إلى دول مجاورة لمواصلة عملهم أو البحث عن الحماية.

وفي مناطق أخرى من العالم، ولا سيما إفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية، دفعت النزاعات المسلحة والعنف المنظم وتنامي نفوذ الجماعات الإجرامية الكثير من الصحفيين إلى مغادرة بلدانهم. وأشار التقرير إلى أن كارتيلات المخدرات وحالات عدم الاستقرار السياسي والقمع الحكومي تمثل من أبرز الأسباب التي تدفع الصحفيين إلى الهجرة القسرية.

دعوات لحماية الصحفيين المنفيين

وأكدت منظمة مراسلون بلا حدود أن الصحفيين المنفيين يؤدون دوراً بالغ الأهمية في نقل المعلومات ومكافحة الأخبار المضللة والحفاظ على تدفق المعلومات المستقلة إلى المجتمعات التي غادروها. ومع ذلك، ترى المنظمة أن آليات الحماية الحالية لا تزال غير كافية لتأمين أوضاعهم وضمان قدرتهم على مواصلة عملهم المهني.

ودعت المنظمة الحكومات إلى اعتماد سياسات أكثر فاعلية لدعم الصحفيين المنفيين، تشمل منح تأشيرات طويلة الأمد، وتسهيل إجراءات الإقامة القانونية، وتوفير فرص العمل والدعم المالي للمؤسسات الإعلامية العاملة في المنفى، إلى جانب تطوير أطر قانونية تحمي الصحفيين وتمنحهم القدرة على الاستمرار في أداء رسالتهم المهنية.

تعد منظمة مراسلون بلا حدود من أبرز المنظمات الدولية المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة وحماية الصحفيين حول العالم. وتصدر المنظمة بشكل دوري تقارير ترصد أوضاع الإعلام والانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في مختلف الدول. وخلال السنوات الأخيرة، شهدت ظاهرة نفي الصحفيين تصاعداً ملحوظاً نتيجة تزايد النزاعات المسلحة واتساع نطاق القمع السياسي والتضييق على وسائل الإعلام. ويرى خبراء الإعلام أن استمرار هجرة الصحفيين من بلدانهم لا يهدد مستقبل المؤسسات الإعلامية المستقلة فقط، بل ينعكس أيضاً على حق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات الدقيقة والموثوقة، وهو ما يجعل حماية الصحفيين المنفيين جزءاً أساسياً من جهود الدفاع عن حرية التعبير وحرية الوصول إلى المعلومات على المستوى العالمي.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print