منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ماراكايبو.. مدينة النفط التي تكشف أزمات فنزويلا

23 أبريل 2026
في فنزويلا يتجاور تاريخ الثراء النفطي مع واقع التدهور
في فنزويلا يتجاور تاريخ الثراء النفطي مع واقع التدهور

في ماراكايبو، لا تبدو أزمة فنزويلا مجرد أرقام اقتصادية أو سجال سياسي، بل مشهدٌ يوميٌ ملموس.. بنية نفطية صدئة، تسرّبات تلوث المياه، صيادون تتراجع أرزاقهم، وأسر تكافح لتأمين الغذاء في بلد يملك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم.

هنا، عند ضفاف بحيرة ماراكايبو، يتجاور تاريخ الثراء النفطي مع واقع التدهور؛ فالمرافق التي شكّلت لعقود قلب الاقتصاد الوطني تحوّلت في أجزاء واسعة منها إلى مصدر للتلوث والشكوى، فيما لا يزال السكان يدفعون ثمن سنوات من الإهمال والعقوبات والانكماش وفقدان الخدمات.

وتوثق صور وتقارير حديثة من المنطقة أن الصيادين في كابيماس وعلى ضفاف البحيرة يواجهون بقعًا نفطية وبنية متداعية وبيئة بحرية متدهورة أثرت مباشرة على الصيد والدخل اليومي.

ولا تنفصل ماراكايبو عن القصة الفنزويلية الأوسع، ففنزويلا لا تزال، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي المنشورة لعام 2026، تواجه انكماشًا اقتصاديًا متوقعًا بنسبة 3% هذا العام، مع تضخم استهلاكي متوقع عند 682.1%، في واحدة من أعلى النسب عالميًا.

ويشير الصندوق أيضًا إلى أن تقديراته يجب أن تُقرأ بحذر بسبب شح البيانات وآثار التضخم المرتفع على القياس الاقتصادي، لكن الاتجاه العام واضح: الاقتصاد لم يخرج بعد من دوامة الاختلال الحاد، حتى بعد بعض فترات التهدئة النسبية.

الحاجة إلى مساعدات غذائية

هذا الانهيار الاقتصادي انعكس مباشرة على الأمن الغذائي، فبرنامج الأغذية العالمي يؤكد أن 5.1 مليون شخص في فنزويلا يحتاجون بصورة عاجلة إلى مساعدات غذائية، وأن الغذاء الجيد والمغذي بات بعيدًا عن متناول كثير من الأسر بسبب تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

ويشير البرنامج إلى أن عدد سكان البلاد يبلغ نحو 29.4 مليون نسمة، وأنه وصل إلى 750 ألف شخص في 2025 عبر برامجه، لا سيما الوجبات المدرسية والمساعدات الغذائية الموجهة للمجتمعات الأشد هشاشة. هذه الأرقام تعني أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة دخل، بل أزمة وصول فعلي إلى الغذاء الكافي.

ومن الزاوية الحقوقية، تصف مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الوضع في فنزويلا باعتباره متصلًا على نحو وثيق بتدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحق في بيئة صحية، إلى جانب تراجع سيادة القانون والمساءلة والحيز المدني.

وفي تحديثها الصادر في يونيو 2025، قالت المفوضية إن الوضع الحقوقي تدهور خلال الفترة السابقة، ليس فقط في ملف الحريات والاعتقالات، بل أيضًا في الحقوق الأساسية المرتبطة بكرامة العيش والخدمات والبيئة.

وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن أكثر من 20 مليون فنزويلي يعيشون في فقر متعدد الأبعاد مع ضعف الوصول إلى الغذاء والأدوية والخدمات الأساسية، وأن كثيرين اضطروا إلى استراتيجيات بقاء قاسية أو إلى مغادرة البلاد.

النفط الذي أفقر الماء

تكشف بحيرة ماراكايبو التناقض الأكثر فجاجة في فنزويلا.. بلد نفطي تتآكل فيه سبل العيش التقليدية بسبب النفط نفسه، فالتقارير الحديثة لوكالة رويترز من يناير وفبراير 2026 تُظهر أن المنشآت المتقادمة والأنابيب الصدئة والتسربات النفطية باتت جزءًا من المشهد اليومي

على ضفاف البحيرة، وأن الصيادين يشتكون من تراجع المصيد وخسائر متراكمة بسبب التلوث، وفي وصف مباشر من رويترز، فإن “سنوات من الإهمال” تركت وراءها بقعًا نفطية وبنية تحتية متدهورة، وسط مخاوف محلية من أن أي استثمارات جديدة في الحقول دون إصلاح بيئي جاد قد تزيد الضغط على النظام البيئي الهش.

وهنا لا يتعلق الأمر بالبيئة وحدها، بل بلقمة العيش أيضًا،  عندما يخرج الصياد إلى البحيرة ويعود بشباك أقل امتلاءً أو بمنتج ملوث لا يطمئن له السوق، فإن التلوث يتحول من “قضية بيئية” إلى أزمة معيشية مباشرة.

ولهذا تبدو ماراكايبو نموذجًا لضغط مزدوج.. انهيار قطاع يفترض أنه مصدر الثروة، وفي الوقت نفسه تدمير تدريجي للأنشطة البديلة التي يعتمد عليها السكان المحليون.

وتربط تقارير حقوقية وأممية أوسع في فنزويلا بين الحق في الغذاء والحق في البيئة الصحية، وهو رابط يبدو في ماراكايبو ملموسًا أكثر من أي مكان آخر: حين يتلوث الماء، ويضيق الغذاء، ويزداد الفقر، وتتراجع القدرة على الصمود.

ثروة بلا أثر اجتماعي

رغم أن فنزويلا استعادت في بعض الفترات جزءًا من نشاطها النفطي مع تعديلات في العقود وتبدل ظروف السوق، فإن صورة القطاع لا تزال بعيدة عن الاستقرار.

وكالة رويترز تحدثت عن بطء في إعادة هيكلة العقود النفطية وتأخر في حسم نماذج التعاقد الجديدة، ما أدى إلى تأجيل قرارات استثمارية وبقاء كثير من الفاعلين في وضع انتظار.

كما نقلت رويترز عن خبير الطاقة الرئيسي في وكالة الطاقة الدولية أن رفع إنتاج النفط الفنزويلي بعد سنوات من الإهمال سيتطلب وقتًا، وأن المكاسب قصيرة الأجل ستظل محدودة. بعبارة أخرى، لا يزال النفط حاضرًا بقوة في خطاب الدولة، لكنه أقل قدرة بكثير على إنعاش الاقتصاد والمجتمع بسرعة.

وهذا ما يفسر التناقض الذي طالما ارتبط بفنزويلا: الوقود قد يبقى شديد الرخص مقارنة بسلع أساسية أخرى، لكن رخص البنزين لا يعني تحسنًا في المعيشة عندما تكون الرواتب منهكة، والعمل هشًا، والغذاء خارج متناول قطاعات واسعة.

كما أن مرحلة “الأكياس الممتلئة بالنقد لشراء الخبز” التي ارتبطت بسنوات الذروة في التضخم المفرط تغيرت جزئيًا بفعل التعامل غير الرسمي بالدولار وتبدل أنماط الدفع، لكن جوهر المشكلة لم يتبدل: القوة الشرائية لا تزال ضعيفة للغاية بالنسبة لكثير من الفنزويليين، والأسعار تلتهم الدخول بسرعة.

أزمة مزمنة لا طارئة

لا تصف المؤسسات الأممية فنزويلا بوصفها بلدًا يعيش “أزمة عابرة”، بل بلدًا تتراكم فيه الهشاشة الغذائية منذ سنوات، ويقول برنامج الأغذية العالمي إن انعدام الأمن الغذائي في فنزويلا مدفوع أساسًا بالقدرة الاقتصادية على الوصول إلى الغذاء، أي أن المشكلة ليست دائمًا في غياب الطعام من السوق بقدر ما هي في عدم قدرة الناس على شرائه.. وهذا فارق مهم، لأنه يربط الأزمة مباشرة بالدخل والتضخم وتآكل الأجور، لا فقط بالإنتاج الزراعي أو المخزونات.

كما أن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، في تقريره عن زيارته إلى فنزويلا، وضع القضية في إطار أوسع يتجاوز السلة الغذائية إلى الكرامة والعدالة الاجتماعية والقدرة على الوصول المستدام إلى الغذاء.

ووفق منظومة الأمم المتحدة الحقوقية، فإن الحق في الغذاء لا يعني مجرد البقاء على قيد الحياة، بل الحصول المنتظم والمستدام على غذاء كافٍ ومغذٍ ولائق.

وفي السياق الفنزويلي، يصبح هذا الحق مهددًا عندما تتراجع القدرة الشرائية، وتتضرر سبل العيش، وتضعف الحماية الاجتماعية، ويتلوث المحيط البيئي المنتج للغذاء.

الخروج استراتيجية بقاء

ربما تكون الهجرة هي المؤشر الأوضح على عمق الأزمة، فبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين والمهاجرين الفنزويليين قرابة 7.9 مليون شخص حول العالم، فيما يوضح ملخص أممي أحدث أن 6.7 مليون منهم، أي 85% تقريبًا، يقيمون في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي؛ هذه ليست مجرد هجرة اقتصادية تقليدية، بل واحدة من أكبر حركات النزوح البشري في العالم المعاصر.

واللافت هنا أن الرقم المتداول قديمًا عن “مليوني شخص غادروا البلاد” لم يعد يعكس الواقع الراهن، الأزمة توسعت على نحو كبير خلال السنوات الماضية، وباتت الهجرة خيارًا أو اضطرارًا جماعيًا لدى ملايين الفنزويليين الباحثين عن الغذاء والعمل والرعاية والاستقرار.

كما أن “هيومن رايتس ووتش” تضع النزوح ضمن سياق الفقر متعدد الأبعاد وغياب الخدمات الأساسية، لا كظاهرة منفصلة عن الوضع الداخلي، بمعنى آخر، من يغادرون فنزويلا لا يهربون من بند واحد في الأزمة، بل من تراكم أزمات: دخل غير كافٍ، غذاء شحيح أو مرتفع الكلفة، خدمات متآكلة، وضغط سياسي وحقوقي مستمر.

أزمة معيشة وحقوق معًا

في القراءة الحقوقية، لا يمكن فصل الاقتصاد عن الحقوق الأساسية، تقرير مفوضية حقوق الإنسان عن فنزويلا في يونيو 2025 ركز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلى الحق في بيئة صحية بوصفهما جزءًا من الأزمة الراهنة، لا مجرد أثر جانبي لها.

وهذا مهم لأن بلدانًا كثيرة تُعرض فيها الأزمات الاقتصادية كأنها “مسألة مؤشرات”، بينما هي في الواقع تمس مباشرة الحق في الغذاء، والحق في الصحة، والحق في الماء، والحق في مستوى معيشي لائق.

ومن هذا المنظور، فإن ما يحدث في ماراكايبو ليس مجرد تراجع في قطاع النفط أو خلل بيئي محلي، بل صورة مكثفة لبلد مريض: اقتصاد يعتمد على النفط لكنه يعجز عن تحويله إلى حماية اجتماعية كافية، وبنية تحتية تتآكل حتى وهي تنتج، وسكان يدفعون ثمن التلوث كما يدفعون ثمن التضخم.

ولهذا فإن إنقاذ فنزويلا، في نظر المنظمات الحقوقية، لا يمر فقط عبر زيادة الإنتاج أو تعديل العقود، بل عبر إعادة بناء الضمانات الأساسية للعيش الكريم والمساءلة البيئية والاجتماعية.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية