تدرس إحدى الحكومات المحلية في ولاية كاليفورنيا مجدداً فكرة أراها عبثية بكل المقاييس: دفع تعويضات مالية للسكان السود.
فمقاطعة ألاميدا التي تكافح أصلاً لتحقيق التوازن في ميزانيتها، تناقش منح مبالغ نقدية للمقيمين السود، والمثير للدهشة أن أياً من أعضاء مجلس المشرفين الخمسة لم يعترض على المقترح.
قد يعتقد هؤلاء أنهم بذلك يثبتون مدى “تقدمهم” السياسي، لكن ما فعلوه لا يدعو إلى الفخر، بل إلى الخجل.
إن مجرد الحديث عن التعويضات يمثل، في رأيي، إهانة لعقول جميع سكان كاليفورنيا.
فكاليفورنيا انضمت إلى الاتحاد الأمريكي عام 1850 بوصفها **ولاية حرة** لا تسمح بالعبودية، ولذلك لا أرى أي مبرر لدفع تعويضات لأي شخص عن أي شيء يتعلق بهذه القضية.
التاريخ مهم، ومن الضروري ألا نتجاهله. فالقرار الذي اتخذته كاليفورنيا بالانضمام إلى الاتحاد بوصفها ولاية حرة لم يكن قراراً سهلاً، بل كان اختياراً أخلاقياً صعباً في مرحلة كانت البلاد تعيش فيها انقساماً سياسياً حاداً.
الذين أسسوا “الولاية الذهبية” كانوا يدركون تماماً الثمن الذي قد يدفعونه مقابل هذا الموقف، وهو احتمال تعميق الانقسام الذي كان يهدد وحدة الولايات المتحدة بأكملها.
في ذلك الوقت، كانت الولايات الشمالية والجنوبية تخوضان صراعاً سياسياً مريراً، وكان انضمام أي ولاية جديدة إلى الاتحاد يشعل معركة جديدة حول سؤال واحد: هل ستكون ولاية حرة أم ولاية تسمح بالرق؟
وفي بعض الأحيان، لم يقتصر الأمر على الجدل السياسي، بل سالت الدماء، في مشهد كان بمنزلة مقدمة للحرب الأهلية التي اندلعت لاحقاً.
دخلت كاليفورنيا الاتحاد بوصفها ولاية حرة بموجب تسوية عام 1850، لكن عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ عن الولايات الجنوبية احتجوا بشدة، وحذروا آنذاك من أن قبول كاليفورنيا قد يقود في نهاية المطاف إلى تفكك الولايات المتحدة.

ورغم ذلك، قبلت كاليفورنيا هذه المخاطرة رفضاً للعبودية.
وبعد سنوات، دفع مئات الآلاف من الأمريكيين حياتهم في ساحات القتال دفاعاً عن وحدة البلاد؛ من أجل تحرير ملايين الأمريكيين من العبودية.
لقد كان ثمناً دُفع بالدم. واليوم، وبعد مرور أكثر من قرن ونصف القرن على انتهاء الحرب الأهلية، يمكن بالتأكيد القول إن الولايات المتحدة كان بإمكانها أن تقدم دعماً أكبر للعبيد المحررين وأحفادهم، لكن هذا لا يغير حقيقة أن تحديد من يجب أن يدفع التعويضات، ومن يستحق الحصول عليها، أصبح أمراً بالغ التعقيد، وربما أصبح مستحيلاً.
ولعل المثال الأوضح على ذلك هو كامالا هاريس، ابنة كاليفورنيا وأول امرأة سوداء يرشحها أحد الحزبين الكبيرين للرئاسة، والتي تشير تقارير إلى أن شجرة عائلتها تضم أيضاً أحد ملاك العبيد. فهل يُفترض بها أن تدفع تعويضات إلى نفسها؟
في السنوات الأخيرة، كانت الحكومات ذات التوجهات اليسارية هي الأكثر حماساً لفكرة التعويضات، ليس لأنها تملك حلولاً عملية، بل لأنها تستخدم القضية لإظهار التفوق الأخلاقي أو لدفعها إلى صدارة النقاش السياسي الوطني.
وكانت مدينة إيفانستون في ولاية إلينوي، وهي الأخرى ولاية حرة وأنجبت الرئيس أبراهام لينكولن، أول من تبنى هذه الفكرة.
كما شكلت مدينة سان فرانسيسكو، إلى جانب حكومة ولاية كاليفورنيا، لجاناً لدراسة التعويضات خلال ذروة احتجاجات حركة “حياة السود مهمة” عام 2020.
لكن اللافت أن أياً منهما لم يخصص أموالاً فعلية لتنفيذ المشروع.
أما مقاطعة ألاميدا فتقول إن تركيزها سينصب على إصلاح منظومة العدالة الجنائية، وزيادة الإنفاق على الإسكان والتعليم.
لكنني لا أرى أن أياً من هذه الإجراءات يمكن أن يكون بديلاً عن توفير الفرص الاقتصادية الحقيقية.
كما أن مدينة أوكلاند تعلمت بالفعل، بعد تجربة مؤلمة، أن تخصيص مساعدات مالية للسكان السود وحدهم، حتى وإن كانت ممولة من جهات خاصة، يتعارض مع الدستور. فإما أن يحصل الجميع على المساعدة، أو لا يحصل عليها أحد.
إذا كنا جادين فعلاً في مساعدة الأمريكيين السود على تحقيق كامل إمكاناتهم، فإن الطريق الصحيح هو بناء اقتصاد قوي ومتنامٍ يخلق الوظائف بوتيرة سريعة.
وهذا، من وجهة نظري، ما حققه الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، عندما شهدت أجور الأمريكيين السود أول زيادة حقيقية منذ عقد كامل.
أما الحديث المستمر عن التعويضات، فهو يحقق النتيجة المعاكسة تماماً. فهو يبعث برسالة سلبية إلى المستثمرين مفادها أن مقاطعة ألاميدا ليست مكاناً آمناً للاستثمار، وأن الحكومة المحلية قد تتبنى أجندات عرقية متطرفة بدلاً من التركيز على المصلحة العامة.
وفي النهاية، لن يضر ذلك بالسكان السود وحدهم، بل بجميع سكان المقاطعة.
وإذا كان من المقرر يوماً ما إقرار تعويضات عن العبودية، فإن هذا القرار يجب أن يُتخذ على المستوى الوطني، لا من خلال مبادرات محلية متفرقة.
لكن الواقع أن غالبية الأمريكيين لا تؤيد هذه الفكرة، بل إن الدفع بمشروعات محلية غير واقعية قد يضعف فرصها أكثر مما يعززها.
لقد اتخذ أسلافنا في كاليفورنيا قراراً تاريخياً عندما اختاروا أن تكون ولايتهم حرة. وأفضل طريقة لتكريم إرثهم، في رأيي، هي بناء اقتصاد حر يحقق الازدهار والفرص لجميع المواطنين، دون استثناء.
نقلاً عن نيويورك بوست
