سيجد رئيس الوزراء المجري المرتقب، بيتر ماجيار، نفسه أمام إرث غير مسبوق في التاريخ الأوروبي الحديث يشمل أغلبية دستورية كاسحة، وتفويضاً لتفكيك نظام سلطوي تنافسي تشكّل على مدار 16 عاماً.
كان حجم الانتصار الانتخابي استثنائياً، إذ حصد 141 مقعداً من أصل 199 في البرلمان، بنسبة مشاركة بلغت 79.5%، لكن الانتخابات ليست سوى بداية التحول الديمقراطي، لا نهايته، والسؤال الذي سيحدد مستقبل المجر في المرحلة المقبلة وربما يتجاوز حدودها هو: كيف يمكن إعادة بناء ديمقراطية من داخل أنقاض نظام جرى إفراغه من مضمونه عمداً؟
الإرث الذي يخلّفه رئيس الوزراء المنتهية ولايته، فيكتور أوربان، ضخم ومعقّد، فقد أعاد تشكيل الدولة حول حزب واحد، ورسّخ سلطة حزب «فيدس» عبر استبدال دستور 1949 بـ«القانون الأساسي» لعام 2011. كما جرى إخضاع القضاء بشكل منهجي عبر تعيينات موالية، وتحصين منصب الادعاء العام، وتحولت وسائل الإعلام العامة إلى جهاز دعائي تسيطر عليه الدولة، مدعوم بمراقبة الصحافيين والموظفين والمعارضين، وتعرض المجتمع المدني لقيود قانونية وضغوط تنظيمية على النمط الروسي، في حين أُجبرت «جامعة أوروبا الوسطى» على الانتقال إلى فيينا.
كما جرى توجيه العقود الحكومية إلى رجال أعمال مقربين من النظام، وتم تفريغ البيروقراطية والسلك الدبلوماسي وأجهزة الاستخبارات من الكفاءات واستبدالها بموالين.
الأغلبية الدستورية التي يمتلكها ماجيار تمنحه القدرة على تفكيك هذا البناء بالكامل، فالنظام الانتخابي الذي صممه أوربان لترسيخ حكمه، انقلب عليه، ومنح خصمه الأدوات نفسها لإعادة تشكيل المشهد، لكن الطريق ليس خالياً من المخاطر، فنجاح المرحلة الانتقالية يتوقف على ما إذا كانت ستؤدي إلى بناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة، أم مجرد استبدال شكل من أشكال هيمنة الأغلبية بآخر.
على حكومة ماجيار أن تتجنب إغراء السرعة على حساب الإجراءات، خاصة في ثلاث ملفات رئيسية: إصلاح القضاء، وإدارة الإعلام العام، ومكافحة الفساد. وفي الوقت نفسه، ينبغي على الاتحاد الأوروبي الإفراج عن أموال المجر لدعم المرحلة الانتقالية، لكن فقط بعد التحقق من تحقيق تقدم مؤسسي فعلي.
التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة هو تحقيق التوازن بين السرعة والشرعية، فالتأخر قد يُفقد الزخم، لكن التسرع قد يقوّض الثقة، وتجربة بولندا تقدم درساً مهماً: فعندما تولى دونالد توسك السلطة عام 2023، تحرك سريعاً لتفكيك سيطرة حزب «القانون والعدالة» على الإعلام العام، لكنه واجه انتقادات بأنه استخدم أدوات السلطة التنفيذية بطريقة مشابهة لسابقيه، ما أضعف شرعية خطواته، والدرس واضح: كل إصلاح يجب أن يستند إلى عملية شفافة.
هذا ينطبق بشكل خاص على القضاء، حيث عيّن أوربان قضاة موالين بولايات طويلة. دعا ماجيار هؤلاء للاستقالة، وقد يستجيب البعض، لكن ليس الجميع، وقد يكون الإغراء كبيراً لإصدار تشريعات لإقالتهم فوراً، لكن أي خطوة تبدو «تطهيراً سياسياً» ستُستغل ضده، سواء داخلياً أو أمام المحاكم الأوروبية، البديل أكثر صعوبة، لكنه أكثر استدامة: إنشاء نظام شفاف لتعيين القضاة وفق معايير مجلس أوروبا، وقبول أن الإصلاح الكامل سيستغرق وقتاً، فالمحاسبة يجب أن تكون قانونية ومنصفة، لا انتقامية.
مهمة أخرى لا تقل أهمية هي استعادة استقلال الإعلام العام، فقد جرى تصميم هيئة البث الرسمية «إم تي في إيه» بوصفها أداة حكومية، في حين سيطر «فيدس» على نحو 80% من المشهد الإعلامي، وفي عام 2018 جرى دمج مئات المؤسسات الإعلامية الخاصة ضمن كيان واحد هو «مؤسسة الصحافة والإعلام لأوروبا الوسطى» التي أدارت محتوى لا يختلف عن الدعاية الحزبية.
هنا، لا يكفي الإصلاح، بل يجب الابتكار، فاستبدال القيادات الحالية بأخرى موالية للحكومة الجديدة لن يحل المشكلة، بل سيعيد إنتاجها، المطلوب نموذج جديد لإدارة الإعلام، يستلهم تجارب مثل مجالس البث العامة في ألمانيا أو نموذج هيئة الإذاعة البريطانية، حيث يتم الفصل بين القرار التحريري والسلطة السياسية، بهدف بناء نظام دائم، لا يخدم حكومة بعينها.
أما ملف الفساد، فهو جوهر النظام السابق، فعلى مدى 16 عاماً، استُخدمت المشتريات العامة لإثراء دائرة ضيقة من رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة، في حين جرى تحويل مليارات من أموال الاتحاد الأوروبي عبر صفقات مشبوهة، هؤلاء ما زالوا يمتلكون نفوذاً اقتصادياً كبيراً، وقد يحاولون عرقلة الإصلاح.
وقد أعلن ماجيار بالفعل عن إنشاء مكتب وطني لاسترداد الأصول، لمراجعة الصفقات المشبوهة، والتدقيق في العقود العامة، كما تعهد بالانضمام إلى «مكتب الادعاء العام الأوروبي» الذي يحقق في جرائم الاحتيال المرتبطة بأموال الاتحاد الأوروبي، وهو ما رفضه أوربان سابقاً.
لكن الملاحقة القضائية وحدها لا تكفي، ربما تحتاج المجر إلى برنامج مؤقت للإفصاح الطوعي واسترداد الأصول، يمنح تخفيفاً في العقوبات مقابل إعادة الأموال والتعاون مع التحقيقات، كما يجب استعادة الأصول العامة التي جرى نقلها بطرق مشكوك فيها، عبر تحقيقات شفافة.
الاتحاد الأوروبي يمكن أن يلعب دوراً مهماً، لكن بحذر، فالتجربة البولندية تُظهر مخاطر الإفراج المبكر عن الأموال بناءً على وعود سياسية فقط، إذ إن نحو 32 مليار يورو المخصصة للمجر تمثل حافزاً قوياً يمكن استخدامه لدعم الإصلاح إذا تم ربطه بتقدم فعلي.
السؤال الأهم: كم سيستغرق هذا المسار؟ التجربة البولندية، رغم قصرها مقارنة بالمجر، لم تكتمل بعد سنوات، أما في المجر، فإعادة بناء القضاء قد تستغرق سنوات، وإصلاح المشهد الإعلامي يستغرق وقتاً أطول، لكن ما يمكن تحقيقه هو وضع إطار قانوني يجعل التراجع مستحيلاً: دستور جديد، آليات مستقلة لتعيين القضاة، إعلام عام محصّن من التدخل، ومؤسسات رقابية فعالة.
في النهاية، يجب أن يكون المجتمع المدني هو الضامن لهذه العملية، فالمنظمات المستقلة والصحافة الاستقصائية والحركات المدنية التي واجهت النظام السابق، مطالبة اليوم بمراقبة السلطة الجديدة بالقدر نفسه من الصرامة، فالديمقراطية تفشل عندما تتحول القوى التي ناضلت من أجلها إلى جزء من السلطة دون مساءلة.
المجر على أعتاب تجربة نادرة: تفكيك نظام سلطوي من الداخل بوسائل ديمقراطية وتحت قيود القانون، وإذا نجحت في تجنب المخاطر، فقد تقدم للعالم نموذجاً مهماً: كيف يمكن للديمقراطيات أن تواجه الاستبداد دون أن تتخلى عن مبادئها.
نقلاً عن فورين بوليسي
