في عصر أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، ما يزال ملايين الأشخاص حول العالم يواجهون قيوداً تحد من قدرتهم على الوصول إلى المعلومات والأخبار والتواصل مع العالم الخارجي.
وتُعد كوريا الشمالية من أبرز النماذج التي تثير نقاشاً حقوقياً مستمراً حول الحق في المعرفة وحرية الوصول إلى المعلومات، في ظل منظومة رقابية واسعة تشمل الإعلام والاتصالات والفضاء الرقمي.
وتؤكد منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان أن الحق في الوصول إلى المعلومات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحرية التعبير وتكوين الآراء والمشاركة في الحياة العامة، وهي حقوق تنص عليها المواثيق الدولية.
وفي كوريا الشمالية، يظل هذا الحق محل جدل بسبب القيود المفروضة على الإعلام والإنترنت وتداول المحتوى القادم من الخارج.
إعلام رسمي وغياب التعددية
وفقاً لمنظمة فريدوم هاوس، تخضع جميع وسائل الإعلام العاملة في كوريا الشمالية لإشراف الدولة بصورة مباشرة، حيث يتم توجيه المحتوى الإعلامي ومراقبته ضمن إطار رسمي موحد.
وأشارت المنظمة في تقرير “الحرية في العالم 2024” إلى أن أجهزة الراديو والتلفزيون المتاحة للمواطنين تكون مبرمجة مسبقاً لاستقبال القنوات الرسمية فقط، ما يحد من الوصول إلى مصادر إعلامية مستقلة أو أجنبية.
وحصلت كوريا الشمالية على صفر من أربع نقاط في مؤشر الإعلام الحر ضمن تقييم المنظمة لعام 2024، في مؤشر يعكس غياب التعددية الإعلامية والصحافة المستقلة داخل البلاد.
شبكة داخلية للإنترنت
لا يملك معظم سكان كوريا الشمالية إمكانية الوصول إلى الإنترنت العالمي. ووفق بيانات فريدوم هاوس، يقتصر هذا الوصول على عدد محدود من المؤسسات الحكومية والجامعات وبعض الفئات المرتبطة بالدولة.
أما المواطنون العاديون فيستخدمون شبكة محلية تعرف باسم “كوانغ ميونغ”، وهي شبكة داخلية توفر محتوى رقمياً وخدمات إلكترونية ومصادر تعليمية تخضع جميعاً للإشراف والرقابة الحكومية.
وتشير البيانات إلى وجود ما لا يقل عن 6.5 مليون مشترك في خدمات الهاتف المحمول داخل البلاد، إلا أن هذه الخدمات لا تمنح المستخدمين إمكانية الوصول الحر إلى الإنترنت العالمي، بل تقتصر على الاتصالات والخدمات المتاحة ضمن الشبكة الوطنية.
رقابة تمتد للحياة الرقمية
لا تقتصر الرقابة على وسائل الإعلام التقليدية، بل تمتد إلى الاتصالات الشخصية والأجهزة الرقمية.
وتوضح منظمة فريدوم هاوس أن السلطات تراقب استخدام التكنولوجيا والاتصالات بهدف الحد من تداول المعلومات غير المصرح بها. كما كشفت تقارير إعلامية دولية استندت إلى تحليل أجهزة تم تهريبها من البلاد عن وجود خصائص تقنية تسمح بتتبع بعض أنشطة المستخدمين وتقييد تداول المحتوى الأجنبي.
وتعد منظمات حقوقية هذه الإجراءات تؤثر في قدرة الأفراد على الوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومات والتعبير عن آرائهم بحرية.
تداول المحتوى الأجنبي
تشير تقارير صادرة عن وزارة التوحيد في كوريا الجنوبية، استناداً إلى شهادات مئات المنشقين الكوريين الشماليين، إلى استمرار تطبيق عقوبات بحق أشخاص متهمين بمشاهدة أو توزيع مواد إعلامية أجنبية.
وتؤكد السلطات الكورية الشمالية أن هذه السياسات تهدف إلى حماية النظام الاجتماعي والثقافي للبلاد والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
وفي المقابل، ترى منظمات حقوقية دولية أن القيود المفروضة على تداول المعلومات تحد من قدرة المواطنين على الاطلاع على مصادر مستقلة ومتنوعة للأخبار والمعرفة.
هل المعلومات غائبة بالكامل؟
في حديثه لمنصة «صفر»، يوضح الخبير في شؤون كوريا الشمالية تيمو شميتز أن الصورة أكثر تعقيداً من التصورات الشائعة التي تفترض غياب المعلومات بصورة كاملة.
ويشير إلى أن المواطنين يستطيعون الوصول إلى محتوى متنوع عبر الشبكة الوطنية الداخلية التي تضم مكتبات إلكترونية وصحفاً ومنصات تعليمية وخدمات بريد إلكتروني، ومنها أدوات لتعلم اللغات الأجنبية، إلا أن هذه الخدمات تبقى منفصلة عن الإنترنت العالمي، ما يعني أن المستخدمين لا يتمتعون بإمكانية الوصول الحر إلى المنصات والمواقع الدولية أو إلى مصادر معلومات مستقلة خارج الإطار الذي تسمح به السلطات.
ويرى شميتز أن التحدي الأساسي لا يتمثل في وجود المعلومات من عدمها، بل في محدودية حرية التعبير وإمكانية الوصول إلى مصادر متعددة ومستقلة، وهو ما يجعل ملف الحريات الرقمية والوصول إلى المعلومات أحد أبرز الملفات الحقوقية المرتبطة بكوريا الشمالية.
حق المعرفة بين السيادة والحقوق
تضع منظمات دولية، منها فريدوم هاوس ومنظمة مراسلون بلا حدود، كوريا الشمالية باستمرار ضمن الدول الأدنى تصنيفاً في مؤشرات حرية الصحافة والوصول إلى المعلومات.
وفي المقابل، تؤكد السلطات أهمية حماية السيادة الثقافية والاستقرار الاجتماعي وتنظيم الفضاء الإعلامي والرقمي بما يتوافق مع سياسات الدولة.
وبين هذين المنظورين، يستمر الجدل الحقوقي حول حدود سلطة الدولة في تنظيم المعلومات، ومدى توافق القيود المفروضة مع الحق في المعرفة وحرية التعبير المنصوص عليهما في المواثيق الدولية.
وتكشف الحالة الكورية الشمالية أن الوصول إلى المعلومات لم يعد مسألة تقنية مرتبطة بالإنترنت فقط، بل قضية حقوقية ترتبط بقدرة الأفراد على الاطلاع على مصادر متعددة للمعرفة وتكوين آرائهم بحرية.
وفي عالم تتسع فيه المساحات الرقمية يوماً بعد يوم، يبقى الحق في المعرفة أحد أبرز التحديات الحقوقية المطروحة عند تقييم واقع الحريات في أكثر دول العالم انغلاقاً.

