في صباح الثالث والعشرين من أغسطس 2024، لم تكن عدسة الصحفية الكردية كلستان تارا مجرد أداة مهنية، بل شاهد على قضايا لا يريد لها أحد أن تُكشف.
في ذلك اليوم، استهدفت طائرة مسيّرة سيارة تقلها مع زميلتها هيرو بهاء الدين في قضاء سيد صادق بمحافظة السليمانية العراقية، لتسكت رصاصات الحرب صوتين نسويين شكّلا امتدادًا لمسيرة الصحافة الحرة في كردستان، بحسب ما ذكرت وكالة “JINHA”، اليوم الخميس.
وُلدت كلستان تارا عام 1983 في مدينة بطمان (إيليه)، وترعرعت وسط بيئة تعاني التهميش والاضطهاد.. أنهت دراستها الابتدائية والمتوسطة هناك، لتشق طريقها نحو الصحافة الحرة في سن السابعة عشرة، متحدية قيود المجتمع والخوف من بطش السلطة.
اختارت الكاميرا والقلم وسيلتين للنضال، وسعت لتوثيق الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الكردي، لتصبح شاهدة على معاناة لا ينقلها أحد.
سقوط مستمر للعدالة
كان آخر ظهور لكلستان وهيرو في رحلة عمل صحفية عادية.. لكنهما لم تعودا.. فقد حوّلت الطائرة المسيّرة مهمتهما إلى جنازة جماعية للصحافة الحرة.
يقول والد هيرو، بهاء الدين عبدالله، في جنازة ابنته: “يقتلون أبناءنا بأموالنا ونفطنا.. تحريف الحزب الديمقراطي الكردستاني لهذا الحدث هو الموت بعينه وعار كبير”.
كلمات الأب المفجوع تختصر ما يتعرض له الكرد: خيانة مزدوجة من الداخل والخارج، وسقوط مستمر للعدالة.
“صوت لا ينحني”
لم تكن كلستان تارا وحيدة في هذا الدرب.. فقد سارت جنبًا إلى جنب مع آلاف الصحفيات الكرديات اللواتي اخترن طريق الحقيقة، رغم الاعتقالات، الملاحقات، وحتى الاغتيالات.
تقول روزا متينا، رئيسة جمعية صحفيات ميزوبوتاميا، في الذكرى السنوية الأولى لوفاتها: “كانت كلستان واحدة من أبرز نماذج نضال المرأة في الصحافة الحرة.. استهدافها جاء لأنها سلطت الضوء على السياسات الممنهجة ضد شعبنا.. لكنها ستبقى رمزًا لا يُنسى”.
لا يقتصر استهداف الصحفيات الكرديات على الاغتيالات.. فكما تشير متينا، هن يتعرضن للاعتقال والتحقيقات والمحاكمات المستمرة.
ويُستخدم القضاء سلاحاً لتكميم الأصوات.. “لكننا لن نتراجع”، تقول، “كلستان، هيرو، وجيهان بلكين، وغيرهن، تركن إرثًا من الشجاعة، وسنواصل حمل أقلامنا في وجه الطائرات والرصاص”.
ذاكرة لا تموت
اغتيال كلستان وهيرو لم يُسكت صوتهما، بل عمّق الذاكرة الجمعية للصحافة الحرة.. لقد أصبحتا رمزًا لنضال لا يقتصر على شمال كردستان فحسب، بل يمتد إلى الأجزاء الأربعة، حيث يواجه الصحفيون الكرد المصير ذاته.. القمع، الاعتقال، وحتى الإعدام.
وتبقى صورة كلستان تارا وهي تمسك بكاميرتها في مواجهة العنف والظلام، دليلًا على أن الحقيقة قد تُغتال جسديًا، لكنها تظل حيّة في ذاكرة الشعوب التي تناضل من أجل الحرية.
