منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

غجر الروما.. أقلية كبرى خارج خريطة العدالة في أوروبا

21 يونيو 2026
غجر الروما في أوروبا خلال إحدى الفعاليات الاحتفالية
غجر الروما في أوروبا خلال إحدى الفعاليات الاحتفالية

في أحد أحياء الصفيح على أطراف مدن أوروبا الشرقية، يبدأ آلاف الأطفال من غجر الروما يومهم خارج أسوار المدارس، في مشهد يتكرر عبر القارات، وتشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) لعام 2025 إلى أن ما يصل إلى 60% من أطفال الروما في بعض الدول لا يكملون التعليم الأساسي، في مؤشر يعكس عمق الفجوة التعليمية التي تلاحق هذه الأقلية منذ عقود، وتكشف عن أزمة ممتدة تتجاوز حدود الفقر إلى بنية تمييزية متجذرة.

شعب بلا اعتراف سياسي

تعود أصول الروما إلى شمال الهند، وتحديداً مناطق البنجاب وراجستان، وفق دراسات موثقة لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التي تشير إلى أن هجرتهم بدأت منذ القرن الحادي عشر نتيجة الحروب والتهجير القسري، وقد تفرعت مسارات هجرتهم إلى أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما أدى إلى تنوع تسمياتهم مثل (روم، دوم، لوم وسينتي)، ورغم هذا الامتداد الجغرافي، لم يحظَ الروما باعتراف سياسي جامع، ما أسهم في ترسيخ وضعهم كأقلية مهمشة عبر التاريخ.

الإبادة الجماعية

خلال الحرب العالمية الثانية، تعرض الروما لإبادة جماعية على يد النظام النازي، عُرفت باسم “بورايْموس”، أي “الابتلاع”، وتؤكد بيانات المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن عدد الضحايا تراوح بين 500 ألف ومليون شخص، أي نحو 70% من الروما في أوروبا آنذاك، ورغم اعتراف البرلمان الأوروبي في عام 2015 بيوم 2 أغسطس يوماً لإحياء الذكرى، لا تزال هذه الجريمة تعاني من ضعف التوثيق مقارنة بجرائم أخرى، ما يعكس فجوة في العدالة التاريخية.

قبور بلا أسماء

لم تقتصر الإبادة على معسكرات الاعتقال، بل شملت عمليات قتل جماعي في القرى والمناطق الريفية، حيث دُفن الضحايا في مقابر جماعية لم يُكشف عن معظمها حتى اليوم، وتشير تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن جهود توثيق هذه الجرائم لا تزال محدودة، خاصة في دول أوروبا الشرقية، ما يحرم الضحايا من حق الاعتراف والعدالة.

واقع 2025.. أرقام تكشف عمق الأزمة

تكشف أحدث البيانات الصادرة عن البنك الدولي ووكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوروبي عن صورة أكثر تعقيداً واتساعاً لأزمة الروما في أوروبا، حيث لا تقتصر المؤشرات على الفقر العام، بل تمتد إلى ما يُعرف بـ”الفقر متعدد الأبعاد” الذي يجمع بين الحرمان الاقتصادي والتعليمي والصحي، وتشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 80% من الروما في عشر دول أوروبية على الأقل معرضون لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي، وهي نسبة ظلت شبه ثابتة منذ سنوات، ما يعكس فشل السياسات في تقليص الفجوة.

في دول مثل بلغاريا ورومانيا، تظهر الفجوة بشكل أكثر حدة، حيث توضح بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025 أن نحو 82% من الروما في بلغاريا معرضون للفقر أو الإقصاء الاجتماعي، مقارنة بـ25% فقط من السكان من غير الروما، ما يعكس فجوة هيكلية عميقة في توزيع الفرص، كما تشير إحصاءات المعهد الوطني للإحصاء في بلغاريا إلى أن معدل الفقر بين الروما بلغ نحو 62.5%، وهو الأعلى بين جميع المجموعات السكانية.

أما في رومانيا، التي تضم واحدة من أكبر تجمعات الروما في أوروبا، فتشير تقديراتٌ إلى أن ما يقارب 70% من الروما يعيشون تحت أو بالقرب من خط الفقر، مع معدلات مشاركة ضعيفة في سوق العمل، حيث لا تتجاوز نسب التشغيل الرسمية مستويات منخفضة للغاية، خاصة بين النساء، وفي دول البلقان مثل مقدونيا الشمالية، تصل الأزمة إلى مستويات أكثر حدة، إذ يعيش نحو 87% من الروما في حالة حرمان مادي، مقارنة بـ55% فقط من غير الروما، بينما لا تتجاوز نسبة التوظيف الرسمي بين نساء الروما 8%، وفق بيانات البنك الدولي لعام 2024–2025.

وتتجلى الأزمة أيضا في سوق العمل، حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى أن معدلات البطالة بين الروما تتجاوز في كثير من الحالات ضعف المعدلات الوطنية، مع انتشار واسع للعمل غير الرسمي وانخفاض الأجور بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بغير الروما وفي مولدوفا، على سبيل المثال، لا تتجاوز نسبة الروما العاملين رسمياً 21%، ما يعكس مستوى عالياً من الإقصاء الاقتصادي.

وفي ما يتعلق بالسكن والبنية التحتية، لا تزال الفجوة واضحة، إذ يعيش ما بين 30% إلى أكثر من 50% من الروما في بعض الدول في مساكن غير رسمية أو مكتظة تفتقر إلى الخدمات الأساسية مثل المياه والصرف الصحي، خاصة في بلغاريا ورومانيا وصربيا، حيث تحوّلت العديد من الأحياء إلى تجمعات معزولة أشبه بـ”غيتوهات” حضرية  كما تشير تقارير أوروبية إلى أن نسبة كبيرة من هذه المجتمعات تعاني من الاكتظاظ والحرمان من الخدمات الصحية، ما ينعكس مباشرة على مستويات الصحة العامة ومتوسط العمر.

وتبرز المقارنة مع عموم السكان حجم الفجوة بشكل أوضح، فبينما تتراوح معدلات الفقر في الاتحاد الأوروبي بين 11% و30% حسب الدولة، كما في بلغاريا (30.3%) ورومانيا (27.9%)، فإن هذه النسب تقفز بشكل كبير داخل مجتمعات الروما، ما يجعلهم من أكثر الفئات هشاشة في القارة الأوروبية.

تعكس هذه الأرقام مجتمعة واقعًا مرّكبًا من التهميش الاقتصادي والاجتماعي، حيث لا يرتبط الفقر لدى الروما بعوامل اقتصادية فقط، بل يتداخل مع التمييز البنيوي وضعف الوصول إلى التعليم والخدمات، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة عبر الأجيال، ويجعلها واحدة من أكثر قضايا العدالة الاجتماعية تعقيدا في أوروبا المعاصرة.

التعليم.. فجوة تتسع عبر الأجيال

تُظهر أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ووكالة الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي أن التمييز في التعليم ضد أطفال الروما لا يقتصر على صعوبة الوصول إلى المدارس، بل يمتد إلى بنية تعليمية غير عادلة تعيد إنتاج الفجوة عبر الأجيال، ففي تقارير 2024–2025، تبيّن أن أقل من 53% من أطفال الروما يلتحقون بالتعليم قبل المدرسي، مقارنةً بما يزيد على 90% من غيرهم في دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يؤثر مباشرة على جاهزيتهم للتعليم الأساسي، كما تنخفض معدلات إكمال التعليم الثانوي إلى أقل من 20% في دول مثل رومانيا وبلغاريا، وفق بيانات المفوضية الأوروبية.

وتبرز ظاهرة الفصل التعليمي كواحدة من أخطر أشكال التمييز، حيث يتم وضع أطفال الروما في مدارس منفصلة أو في صفوف مخصصة داخل المدارس العامة، خاصة في دول مثل سلوفاكيا والتشيك والمجر، وقد أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عدة أحكام منذ قضية “دي.إتش ضد جمهورية التشيك” تؤكد أن هذا الفصل يُعد شكلاً من أشكال التمييز العنصري، إلا أن تقارير منظمة العفو الدولية لعام 2025 تشير إلى استمرار هذه الممارسات رغم الإدانة القضائية، بسبب ضعف الرقابة والتنفيذ.

وفي بلغاريا، على سبيل المثال، تشير بيانات وزارة التعليم المدعومة من البنك الدولي إلى أن أكثر من 60% من أطفال الروما يدرسون في مدارس ذات كثافة روماوية عالية تعاني من نقص الموارد، ما يحد من جودة التعليم، أما في صربيا ومقدونيا الشمالية، فتصل معدلات التسرب المدرسي إلى نحو 50% بين أطفال الروما في المرحلة الإعدادية، نتيجة الفقر والعمل المبكر والزواج المبكر، وفق تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وتعكس هذه المؤشرات فجوة تعليمية هيكلية، حيث لا تقتصر المشكلة على الالتحاق بالمدرسة، بل تشمل جودة التعليم والاندماج داخل النظام التعليمي، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر والتهميش عبر الأجيال.

نساء وأطفال من غجر الروما في أوروبا

فجوات الصحة والسكن

تكشف البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي أن الروما يواجهون واحدة من أكبر فجوات الصحة العامة في أوروبا، حيث يقل متوسط العمر المتوقع لديهم بما يتراوح بين 8 إلى 10 سنوات مقارنة بباقي السكان، مع ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة والمعدية، ففي رومانيا وبلغاريا، تشير الدراسات إلى أن معدلات وفيات الأطفال بين الروما تزيد بمقدار الضعف تقريباً مقارنة بغيرهم، نتيجة ضعف الوصول إلى الرعاية الصحية وسوء التغذية.

ويرتبط هذا الوضع بشكل مباشر بظروف السكن، حيث يعيش ما بين 30% و50% من الروما في مساكن غير رسمية أو مكتظة، خاصة في دول مثل صربيا وسلوفاكيا وبلغاريا، وتوضح تقارير البنك الدولي أن نحو ثلث أسر الروما لا تملك إمكانية الوصول إلى مياه شرب آمنة داخل المنزل، بينما يفتقر عدد كبير منهم إلى خدمات الصرف الصحي والكهرباء، وفي بعض المناطق في رومانيا تعيش مجتمعات كاملة من الروما في مستوطنات معزولة أقيمت بالقرب من مكبات النفايات أو المناطق الصناعية، ما يزيد من تعرضهم للأمراض البيئية.

كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة التطعيم بين أطفال الروما أقل من المتوسط الوطني في عدة دول، بسبب ضعف الوصول إلى الخدمات الصحية والتمييز المؤسسي، وفي سلوفاكيا، أظهرت تقارير 2025 أن العديد من النساء من الروما يواجهن صعوبات في الحصول على خدمات الرعاية قبل الولادة، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات المضاعفات الصحية.

وتؤكد هيومن رايتس ووتش أن عمليات الإخلاء القسري لا تزال تمثل تهديداً مستمراً، حيث تم تسجيل حالات طرد جماعي لمجتمعات الروما من مساكنهم في فرنسا وإيطاليا خلال الأعوام الأخيرة دون توفير بدائل مناسبة، ما يفاقم أزمة السكن ويؤدي إلى مزيد من الهشاشة الصحية والاجتماعية.

تعكس هذه المؤشرات ترابطاً وثيقاً بين الفقر والسكن والصحة، حيث تتحول البيئة المعيشية غير الآمنة إلى عامل رئيسي في تدهور الحالة الصحية، ما يجعل أزمة الروما ليست مجرد قضية خدمات، بل أزمة حقوق أساسية تتعلق بالحق في الحياة الكريمة.

النساء والأطفال.. تمييز مزدوج

تعاني نساء الروما من تمييز قائم على العرق والنوع الاجتماعي، حيث ترتفع معدلات الزواج المبكر إلى أكثر من 40% في بعض المجتمعات، وفق صندوق الأمم المتحدة للسكان، كما تنخفض فرص التعليم والعمل، ما يحد من استقلاليتهن الاقتصادية، أما الأطفال، فيواجهون معدلات مرتفعة من التسرب المدرسي، ما يعزز استمرار الفقر والتهميش.

خطاب الكراهية

يتعرض الروما لصور نمطية سلبية متجذرة في الثقافة الشعبية، مثل تصويرهم كلصوص أو غرباء، وتؤكد هيومن رايتس ووتش في تقريرها لعام 2025 أن خطاب الكراهية ضد الروما تصاعد على منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس انتقال التمييز من المجال التقليدي إلى الفضاء الرقمي، ويزيد من تعقيد مواجهته.

القانون الدولي.. فجوة بين النص والتطبيق

رغم وجود اتفاقيات دولية تحظر التمييز، مثل الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، تشير لجنة القضاء على التمييز العنصري إلى أن العديد من الدول لم تنفذ التوصيات المتعلقة بحماية الروما، كما دعا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى اعتماد سياسات شاملة تضمن إدماجهم، إلا أن التنفيذ لا يزال بطيئا.

وقد أطلقت المفوضية الأوروبية استراتيجيات لإدماج الروما حتى عام 2030، تشمل تحسين التعليم والصحة والسكن، إلا أن تقارير المتابعة تشير إلى ضعف التمويل وبطء التنفيذ، ما يحد من فعالية هذه المبادرات في تغيير الواقع.

الثقافة والهوية.. مقاومة مستمرة

رغم التحديات، يحافظ الروما على ثقافتهم الغنية من خلال الموسيقى والرقص والمناسبات التقليدية مثل عيد “هيدرليز” وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن هذه الثقافة تمثل جزءاً مهما من التراث الإنساني، لكنها مهددة نتيجة التهميش والاندماج القسري.

تكشف معطيات عام 2025 أن معاناة الروما ليست مجرد امتداد لماضٍ مؤلم، بل هي واقع يومي يعكس فشلا مستمراً في تحقيق العدالة والمساواة، وبين ذاكرة الإبادة الجماعية وواقع التهميش، يبقى الروما من أكثر الأقليات عرضة للإقصاء، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لضمان حقوقهم وإدماجهم الكامل في المجتمعات التي يعيشون فيها.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print