عندما بدأت موجات السوريين تتدفق عائدة إلى مدنها وقُراها بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد منذ ديسمبر 2024، بدا المشهد وكأنه بداية فصل جديد في واحدة من أكبر أزمات اللجوء في العالم حيث حملت آلاف الأسر حقائبها وعادت إلى منازل غابت عنها سنوات طويلة، مدفوعة بالأمل في استعادة حياة طبيعية بعد أكثر من أربعة عشر عاما من الحرب، غير أن هذا الأمل اصطدم منذ الأيام الأولى بواقع مختلف، إذ وجد ملايين العائدين مدنا أنهكتها الحرب، وبنية تحتية مدمرة، وخدمات أساسية تكاد تكون غائبة، الأمر الذي وضع ملف العودة أمام تحديات إنسانية وتنموية غير مسبوقة.
وأكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن سوريا تشهد أكبر موجة عودة للاجئين والنازحين منذ اندلاع الأزمة عام 2011، إذ عاد منذ ديسمبر 2024 أكثر من 3.5 مليون سوري، بينهم نحو 1.6 مليون لاجئ عادوا من دول الجوار، إضافة إلى نحو 1.9 مليون نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم الأصلية.
وفي الوقت نفسه لا تزال الاحتياجات الإنسانية مرتفعة للغاية، إذ يحتاج نحو 15.6 مليون شخص داخل سوريا إلى المساعدات الإنسانية، بينما لا يزال نحو 5.5 مليون شخص يعيشون في حالة نزوح داخلي، وهو ما يعكس أن العودة تجري داخل بيئة ما زالت تعاني هشاشة شديدة.
وكشفت لجنة الإنقاذ الدولية أن سرعة عودة السوريين تجاوزت قدرة عمليات التعافي وإعادة الإعمار، الأمر الذي خلق فجوة متزايدة بين احتياجات السكان والقدرات المتاحة.
وأوضحت اللجنة أن 91 في المئة من العائدين وصلوا إلى مناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية، بينما أكد 71 في المئة منهم أن نقص الخدمات يمثل العقبة الرئيسية أمام إعادة بناء حياتهم والاستقرار بصورة دائمة، كما بينت نتائج التقرير أن أقل من خُمس العائدين فقط حصلوا على مساعدات كافية خلال رحلة العودة، في حين أكد نحو نصفهم أن الواقع الذي وجدوه داخل سوريا كان أكثر صعوبة مما كانوا يتوقعون.
أزمة الخدمات الأساسية
وأوضحت لجنة الإنقاذ الدولية أن العائدين يواجهون نقصا حادا في مياه الشرب والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم، وهي خدمات تشكل الحد الأدنى لأي عودة مستقرة، كما يعيش أكثر من ثلثي العائدين في منازل تعرضت لأضرار كبيرة أو أصبحت غير صالحة للسكن، بينما تعاني المدن والبلدات التي استقبلتهم من محدودية الموارد وارتفاع الطلب على الخدمات، الأمر الذي يضغط على المجتمعات المحلية ويزيد صعوبة إعادة الاندماج.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن قطاعات المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم تعرضت خلال سنوات الحرب لأضرار واسعة، كما أدى نقص التمويل إلى إبطاء عمليات إعادة التأهيل، الأمر الذي جعل ملايين السوريين يعتمدون حتى الآن على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
السكن أكبر التحديات
وتشير تقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن آلاف الأسر العائدة لم تتمكن من العودة إلى منازلها الأصلية بسبب الدمار الواسع أو فقدان الوثائق أو تعقيدات الملكية العقارية، ما دفع عددا كبيرا منها إلى الإقامة مع أقارب أو داخل مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.
كما تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن إعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية تمثل أولوية ملحة، لأن استمرار الدمار يحرم الأسر من الاستقرار ويؤثر بصورة مباشرة في فرص الأطفال بالعودة إلى المدارس وقدرة الأسر على استئناف نشاطها الاقتصادي.
الاقتصاد لا يواكب العودة
وأكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن التعافي الاقتصادي في سوريا لا يزال يسير بوتيرة أبطأ بكثير من حركة العودة، في ظل ارتفاع معدلات البطالة وضعف الإنتاج وغياب الاستثمارات اللازمة لإعادة تشغيل المرافق والخدمات، ويرى البرنامج أن خلق فرص العمل يمثل شرطا أساسيا لمنع تحول العودة إلى مرحلة انتقالية تنتهي بموجات نزوح جديدة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن غالبية الأسر العائدة تعتمد على المساعدات الإنسانية أو التحويلات المالية القادمة من أقاربها في الخارج، بينما تواجه الأسواق المحلية صعوبات كبيرة في توفير فرص دخل مستقرة نتيجة الأوضاع الاقتصادية المعقدة.
العودة الطوعية تحت المجهر
وشددت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على أن العودة يجب أن تبقى طوعية وآمنة وكريمة، وأن يحصل اللاجئون على معلومات دقيقة حول الأوضاع داخل مناطقهم قبل اتخاذ قرار العودة، كما أكدت أن المنظمة لا تشجع أي عودة لا تتوافر لها الشروط الأساسية التي تكفل سلامة العائدين واستقرارهم.
وفي السياق نفسه، أوضحت لجنة الإنقاذ الدولية أن عددا من السوريين عادوا نتيجة تدهور أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية في دول اللجوء، وليس بسبب تحسن الظروف داخل سوريا، وهو ما يثير مخاوف حقوقية من أن بعض قرارات العودة جاءت تحت ضغط الظروف الصعبة أكثر من كونها خيارا حرا بالكامل.
التمويل يتراجع والاحتياجات تتزايد
أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الاستجابة الإنسانية في سوريا تواجه واحدة من أكبر فجوات التمويل منذ اندلاع الأزمة، في وقت تتزايد فيه أعداد العائدين واحتياجاتهم الأساسية.
وأوضح المكتب أن خطة الاستجابة الإنسانية تحتاج إلى مليارات الدولارات لتوفير الغذاء والرعاية الصحية ومياه الشرب والتعليم والمأوى، إلا أن التمويل الفعلي لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات، الأمر الذي انعكس مباشرة على قدرة المنظمات الإنسانية على مواصلة برامجها داخل مختلف المحافظات السورية.
وأشارت لجنة الإنقاذ الدولية إلى أن تراجع التمويل الدولي يتزامن مع تسارع وتيرة العودة، ما يخلق فجوة متنامية بين احتياجات السكان والإمكانات المتاحة.
وحذرت اللجنة من أن غياب الاستثمار في إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات العامة قد يحول العودة الحالية إلى تجربة غير مستقرة، ويزيد احتمالات النزوح مرة أخرى إذا استمرت الظروف المعيشية على حالها.
المنظمات الحقوقية تحذّر
أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن أي نقاش يتعلق بعودة اللاجئين السوريين يجب أن يستند إلى تقييم واقعي للأوضاع داخل البلاد، وليس إلى اعتبارات سياسية أو ضغوط داخلية في الدول المستضيفة، وشددت المنظمة على أن مناطق واسعة من سوريا ما زالت تعاني تدهور الخدمات الأساسية، إضافة إلى استمرار تحديات تتعلق بالأمن وسيادة القانون واستعادة الحقوق المدنية، وهو ما يستدعي توخي الحذر عند اتخاذ أي قرارات تتعلق بإعادة اللاجئين.
كما شددت منظمة العفو الدولية على أن العودة المستدامة تتطلب توفير ضمانات حقيقية تكفل سلامة العائدين وكرامتهم، مؤكدة أن القانون الدولي يمنح اللاجئين حق العودة الطوعية عندما تتوافر الظروف التي تسمح بذلك، ويحظر إعادتهم قسرا إلى أماكن قد يتعرضون فيها للخطر أو لانتهاكات حقوق الإنسان.
وأوضحت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، أن إعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمات العامة تمثل ركنا أساسيا في أي عملية تعاف، لأن الاستقرار لا يتحقق بمجرد توقف العمليات العسكرية، وإنما يعتمد على قدرة السكان على الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل والخدمات العدلية والإدارية.
تحديات متعددة
أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن آلاف الأسر العائدة ما زالت تواجه تحديات مرتبطة بإثبات الملكية العقارية، والحصول على الوثائق الرسمية، واستعادة الحقوق المدنية، فضلا عن الصعوبات الاقتصادية التي تعيق إعادة الاندماج داخل المجتمعات المحلية.
وأكدت الشبكة أن نجاح العودة يحتاج إلى معالجة الملفات القانونية والإدارية بالتوازي مع إعادة الإعمار، لأن استمرار هذه المشكلات يحد من قدرة العائدين على بدء حياة مستقرة، ويؤثر في حصولهم على الخدمات الحكومية وفرص العمل والتعليم.
الجدل الأوروبي يتصاعد
تحولت قضية عودة اللاجئين السوريين إلى محور رئيسي في النقاشات السياسية داخل عدد من الدول الأوروبية، وأشارت لجنة الإنقاذ الدولية إلى أن ألمانيا والنمسا وعددا من الدول الأوروبية بدأت مناقشة سياسات تشجع العودة الطوعية، مع طرح برامج تقدم حوافز مالية للعائدين.
وأقرّت النمسا مساعدات تصل إلى ثلاثة آلاف يورو للراغبين في العودة الطوعية، بينما تداولت وسائل إعلام ألمانية مقترحات تتضمن تقديم حزم دعم قد تصل إلى ثمانية آلاف يورو لبعض العائدين، إلا أن لجنة الإنقاذ الدولية أكدت أن الحوافز المالية لا تستطيع تعويض غياب الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية، معتبرة أن نجاح العودة يرتبط بتوفير بيئة قادرة على احتضان السكان وليس فقط بتسهيل انتقالهم.
ودعت مديرة لجنة الإنقاذ الدولية في ألمانيا، لينا غورغن، صناع القرار الأوروبيين إلى ربط سياسات العودة بالحقائق الميدانية داخل سوريا، مؤكدة أن كثيرا من الأسر تجد عند عودتها نقصا حادا في المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، وهو ما يفرض اعتماد تقييمات واقعية قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بملف اللاجئين.
القانون الدولي يحدد الشروط
أكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن العودة الطوعية تشكل أحد الحلول الدائمة لقضية اللجوء، لكنها ترتبط بشروط واضحة نصت عليها اتفاقية اللاجئين لعام 1951 والقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة ومستندة إلى قرار حر يتخذه اللاجئ بعد الاطلاع على معلومات دقيقة عن الأوضاع داخل بلده.
كما يكرس مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يعد أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي للاجئين، حظر إجبار أي شخص على العودة إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو الانتهاكات الجسيمة، وهو المبدأ الذي تؤكد الأمم المتحدة ضرورة احترامه في جميع السياسات المتعلقة باللاجئين السوريين.
التعافي يحتاج استثمارات طويلة الأجل
أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن إعادة إعمار سوريا لا تقتصر على إصلاح المباني وشبكات الطرق، بل تشمل إعادة بناء المؤسسات العامة، واستعادة الخدمات الأساسية، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على استيعاب العائدين.
وترى الأمم المتحدة أن الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية والطاقة والمياه يمثل المدخل الحقيقي لتحويل العودة الحالية إلى فرصة للتعافي، بينما يؤدي استمرار نقص التمويل إلى إبطاء هذه العملية وزيادة اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية.
بدأت أزمة النزوح السوري عام 2011 مع تصاعد الصراع المسلح، وتحولت خلال سنوات قليلة إلى أكبر أزمة لجوء في العالم، وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من ستة ملايين سوري لجؤوا إلى دول الجوار وأوروبا، بينما تجاوز عدد النازحين داخل البلاد سبعة ملايين شخص في ذروة الأزمة.
وأدت سنوات الحرب إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتراجع الاقتصاد، وانهيار قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه، وهو ما جعل عملية التعافي أكثر تعقيدا حتى بعد تراجع حدة العمليات العسكرية في عدد من المناطق.
وتؤكد الأمم المتحدة أن موجة العودة الحالية تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء المجتمعات السورية، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات إنسانية وتنموية هائلة.
وترى المنظمات الدولية أن نجاح هذه المرحلة يعتمد على الجمع بين إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الأساسية، وتوفير التمويل الكافي، واحترام مبادئ القانون الدولي، بما يضمن عودة آمنة وكريمة ومستدامة لملايين السوريين الذين ينتظرون استعادة حياتهم بعد سنوات طويلة من اللجوء والنزوح.

