حسمت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية ملف المدعي العام كريم خان، بعدما صوتت لمصلحة إنهاء ولايته على خلفية اتهامات تتعلق بسوء السلوك، في قرار فتح فصلاً جديداً من الجدل حول استقلال المحكمة وآليات مساءلة كبار مسؤوليها.
جاء القرار بعد أشهر من التحقيقات والإجراءات الداخلية، في حين واصل خان نفي الاتهامات وأكد عزمه الطعن على قرار إعفائه أمام الجهات القضائية المختصة.
اقتراع سري
وأفادت وكالة فرانس برس بأن أكثر من 80 دولة من أصل 125 دولة عضواً في المحكمة الجنائية الدولية أيدت خلال اقتراع سري عقد في اجتماع خاص بمقر الأمم المتحدة في نيويورك إنهاء ولاية المدعي العام كريم خان، بعدما اعتبرت الدول المؤيدة أن الوقائع المنسوبة إليه تشكل سوء سلوك جسيماً.
وتجاوز عدد الأصوات المؤيدة الحد الأدنى المطلوب لاعتماد القرار، والذي يبلغ 63 صوتاً، في حين أيدت 13 دولة فقط بقاءه في منصبه، في حين امتنعت 15 دولة عن التصويت، بحسب مصادر دبلوماسية.
وأكدت المحكمة الجنائية الدولية أنها أخذت علماً بقرار جمعية الدول الأعضاء، وأوضحت أن نواب المدعي العام سيتولون إدارة المكتب ومواصلة جميع التحقيقات والملفات الجارية لضمان استمرار عمل المؤسسة دون انقطاع، في وقت تتابع فيه المحكمة عدداً من القضايا المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في مناطق مختلفة من العالم.
رفض فرق الدفاع ونفي الاتهامات
وأعلن فريق الدفاع عن كريم خان رفضه الكامل لقرار الإعفاء، إذ أكد المحامي طيب علي أن موكله سيطعن في قانونية القرار وعدالته عبر جميع الوسائل القضائية المتاحة. وشدد على أن الإجراءات التي اتبعتها الدول الأعضاء لم تمنح خان فرصة كافية للدفاع عن نفسه، معتبراً أن القرار يثير تساؤلات قانونية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق المسؤولين داخل المؤسسات الدولية.
وعاد الجدل حول مستقبل خان إلى الواجهة بعدما تنحى مؤقتاً عن مهامه في مايو 2025 انتظاراً لنتائج التحقيق الذي بدأته المحكمة عقب شكوى تقدمت بها موظفة تعمل ضمن فريقه، وبعد أسابيع، أوقف أعضاء مكتب جمعية الدول الأطراف عمله بصورة مؤقتة إلى حين انتهاء الإجراءات، في حين تمسك خان طوال تلك الفترة ببراءته ونفى جميع الاتهامات الموجهة إليه.
وأكد محامو خان، في رسالة مفتوحة نشروها خلال الأيام الماضية، أن الدول الأعضاء لم تلتزم بالإجراءات التي تكفل حق الدفاع، محذرين من أن عزل المدعي العام بهذه الطريقة قد يوجه رسالة سلبية إلى المدعين العامين الحاليين والمستقبليين، ويؤثر في استقلالية من يتولون التحقيق في القضايا الحساسة التي تمس قادة دول ومسؤولين كباراً.
واكتسب كريم خان شهرة دولية واسعة خلال فترة توليه منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية منذ عام 2021، بعدما أشرف على ملفات بارزة شغلت المجتمع الدولي. وأصدر في عام 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت على خلفية الحرب في قطاع غزة، كما أصدر مذكرات توقيف بحق عدد من قادة حركة حماس، قبل أن تعلن تقارير لاحقاً مقتلهم خلال الحرب.
ردود فعل سياسية متباينة
وأثار قرار عزل خان ردود فعل سياسية متباينة، إذ رحبت الولايات المتحدة بالخطوة وانتقدت المحكمة الجنائية الدولية مجدداً. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت إن رحيل خان لا يغير موقف واشنطن من المحكمة، واعتبر أن المؤسسة تعاني فساداً مؤسسياً ولا أمل في إصلاحها، مؤكداً أن الإدارة الأمريكية ستواصل خططها الرامية إلى تقويض المحكمة الجنائية الدولية.
في المقابل، يرى مراقبون للشأن القانوني الدولي أن تغيير قيادة مكتب الادعاء يأتي في مرحلة شديدة الحساسية، إذ تواجه المحكمة ملفات معقدة تتعلق بالحروب والنزاعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، الأمر الذي يضع القيادة الجديدة أمام تحديات كبيرة للحفاظ على استقلال التحقيقات وتعزيز ثقة الدول الأعضاء والرأي العام الدولي في عمل المحكمة.
تجدر الإشارة إلى أن المحكمة الجنائية الدولية أُنشئت بموجب نظام روما الأساسي الذي اعتمد عام 1998 ودخل حيز التنفيذ عام 2002، وتتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقراً لها. وتختص المحكمة بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان، عندما تعجز الأنظمة القضائية الوطنية عن القيام بذلك أو تمتنع عنه.
ويشغل المدعي العام دوراً محورياً في فتح التحقيقات وطلب إصدار أوامر التوقيف وجمع الأدلة، لذلك تحظى استقلالية هذا المنصب بأهمية كبيرة داخل منظومة العدالة الدولية، في حين تواصل المحكمة مواجهة تحديات سياسية وقانونية بسبب رفض عدد من الدول الاعتراف باختصاصها أو التعاون مع قراراتها في بعض القضايا البارزة.
