منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

شمسة مسلم.. سبعينية سورية تحرس أسرار الطبيعة وتعيد للطب الطبيعي مجده

13 أغسطس 2025

على أطراف ناحية قنه في ريف كوباني بسوريا، تمتد الحقول والسهول، وفي أحد البيوت الطينية البسيطة، تتربع امرأة سبعينية خلف طاولة خشبية صغيرة، تحيط بها قوارير زجاجية وأكياس قماش مملوءة بأعشاب مجففة وقطع من الجذور والزهور البرية. 

هنا، تبدأ الحكاية التي تمتد على ربع قرن، بطلتها شمسة مسلم، المرأة التي اختارت أن تكون صلة الوصل بين الطبيعة وشفاء البشر، بحسب ما ذكرت وكالة “JINHA”، اليوم الثلاثاء.

شمسة، المنحدرة من قرية قشليه شرق كوباني، لم تدرس الطب في جامعة، لكن دفاتر خبرتها أوسع من أي منهج.

تقول بابتسامة مطمئنة: “أنا معالجة طبيعية.. أبتكر الأدوية من الأعشاب وأعالج الناس منذ 25 عاماً، بدأ الأمر حين رأيت جاري يمارس هذا العمل، فشعرت أن عليّ أن أتعلم لأخدم مجتمعي بيديّ”.

المعالجة شمسة مسلم

إرث الأمهات يتجدد

في حديثها، تعود شمسة إلى زمن بعيد، إلى “عصر المرأة– الآلهة” كما تصفه، حين كانت النساء هنّ من يكتشفن أسرار الأرض ويبتكرن وسائل العيش والعلاج. 

تقول: “النساء كنّ يجمعن الأعشاب من الجبال والوديان ويصنعن منها الأدوية، هذه المعرفة ورثناها، وما زلنا نمارسها لأن الطبيعة لا تخذلنا”.

اليوم، تُعرف شمسة في قريتها والمناطق المجاورة كعنوان للشفاء. حقيبتها الصغيرة، التي ترافقها في كل زيارة علاجية، تحوي خلاصات نباتية وزيوت وأدوية عشبية صنعتها بيديها. 

مرضى من مختلف الأعمار يقصدونها؛ نساء يبحثن عن علاج لمشكلات الحمل، شباب يعانون من آلام المعدة والقولون، وأطفال أرهقهم اليرقان أو الحمى.

المعالجة شمسة مسلم

علاج يخرج من الأرض

شمسة لا تؤمن كثيرًا بالأدوية الكيميائية، وترى أن تأثيرها قصير المدى ومصحوب بأضرار جانبية. 

تشير إلى زجاجة صغيرة من مسحوق أسود وتقول: “هذا الكحل الطبيعي صنعته بنفسي، مفيد لحساسية العين وأمراضها، آمن ولا يسبب تهيجًا أو تساقطًا للرموش، على عكس كثير من الأنواع الموجودة في الأسواق”.

موادها كلها طبيعية، تجمع بعضها من الحقول المحيطة، وما لا تجده تطلبه من مناطق أخرى. 

ورغم أن طلبات العلاج كثيرة، فإنها تقدم خدماتها مجانًا، معتبرة أن ما تفعله “عمل مقدس” يهدف إلى شفاء الناس لا إلى جمع المال.

أثر لا يزول

بينما تتحدث شمسة، يدخل بيتها رجل خمسيني يحمل ابنته الصغيرة، يضعها أمامها ويرجوها أن تعطيها دواءً لعلاج السعال المزمن. 

تجلس الطفلة بهدوء بينما تبحث شمسة في أحد أرففها عن مزيج عشبي معدّ خصيصًا لمثل هذه الحالات. هذه المشاهد تتكرر يوميًا، وقد جعلت من بيتها مكانًا نابضًا بالأمل وسط أزمات الحرب والحرمان.

في عالم يزداد اعتمادًا على الصناعات الكيميائية، تبدو شمسة مسلم كجسر بين الماضي والحاضر، بين الأرض وجسد الإنسان، تحافظ على إرث نساء قديمات وتضيف إليه من خبرتها وحبها ما يجعله صالحًا لعصرنا. 

هي ليست مجرد معالجة، بل حارسة للأسرار القديمة، وأيقونة لصمود المرأة في وجه النسيان.