منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سياحة تكتيكية: الطريق الخفي نحو الإرهاب الداخلي

20 أبريل 2026
تمت مرافقة المشتبه به في قضية العبوات الناسفة، أمير بالات، من قبل الشرطة في مارس 2026. وقد قام المشتبه به برحلة طويلة إلى تركيا في وقت سابق من هذا العام.
تمت مرافقة المشتبه به في قضية العبوات الناسفة، أمير بالات، من قبل الشرطة في مارس 2026. وقد قام المشتبه به برحلة طويلة إلى تركيا في وقت سابق من هذا العام.

كيفن كوهين

في الثامن من أبريل، وُجِّهت اتهامات إلى إبراهيم كايومي (19 عامًا) وإمير بالات (18 عامًا) على خلفية هجوم مستوحى من تنظيم داعش خارج مقر قصر جرايسي في نيويورك. ركّزت العناوين الأولى على الأجهزة التي فشلت في الانفجار، لكن ما تكشّف لاحقًا ربما كان أكثر دلالة.

يقول الادعاء الفيدرالي إن الشابين سافرا من بنسلفانيا إلى مانهاتن في 7 مارس 2026، وهما يحملان عبوات ناسفة بدائية الصنع محشوة بمادة TATP ومواد تشظية مثل الصواميل والمسامير.

وتُظهر تسجيلات من داخل سيارتهما -بحسب السلطات- نقاشات حول قتل ما يصل إلى 60 شخصًا، و«إشعال الرعب»، وتنفيذ هجوم أشد فتكًا من تفجير ماراثون بوسطن.

كما عثرت السلطات على ملاحظات مكتوبة بخط اليد تشير إلى مادة TATP ومكوّنات كيميائية والنابالم، فضلًا عن خطط لهجمات لاحقة باستخدام مركبات كبيرة في مواكب ومهرجانات وتجمعات مكتظة.

تمت مرافقة المشتبه به في قضية العبوات الناسفة، أمير بالات، من قبل الشرطة في مارس 2026. وقد قام المشتبه به برحلة طويلة إلى تركيا في وقت سابق من هذا العام.
تمت مرافقة المشتبه به في قضية العبوات الناسفة، أمير بالات، من قبل الشرطة في مارس 2026. وقد قام المشتبه به برحلة طويلة إلى تركيا في وقت سابق من هذا العام.

ويؤكد الادعاء أن العبوات احتوت على مادة TATP، وهي مركب شديد التقلب يُعرف أحيانًا باسم «أم الشيطان»، كما أظهرت الفحوص الأولية أن الأجهزة صُنعت من زجاجات مشروبات رياضية وعبوات زجاجية محشوة بمواد متفجرة وتشظية، مع صواعق متصلة بألعاب نارية من طراز M80.  وقد خمد أحد الأجهزة بعد اصطدامه بحاجز قرب الشرطة، فيما سقط جهاز آخر أثناء فرار بالات.

ليست TATP مادة يُجرَّب بها عرضًا؛ فهي غير مستقرة إلى حد كبير ويصعب التعامل معها بأمان حتى بالنسبة لصانعي المتفجرات المتمرّسين. وظهورها في مخططات إرهابية نادرًا ما يكون مصادفة.

وهنا يبرز سؤال أوسع: عندما يُظهر أفراد تطرّفوا داخل بلدانهم معرفة تقنية بالمتفجرات، فمن أين أتت هذه الخبرة؟.

منزل أمير بالات، المتهم بتفجير القنبلة، في ولاية بنسلفانيا.
منزل أمير بالات، المتهم بتفجير القنبلة، في ولاية بنسلفانيا.

تقدّم قضية أخرى خيطًا للإجابة. في بروكلين، أُدين عاصف ميرشانت، وهو مواطن باكستاني، بتهم تتعلق بالإرهاب والتآمر على القتل مقابل أجر، بعدما قال الادعاء إنه حاول تدبير اغتيالات داخل الولايات المتحدة لصالح “فيلق الحرس الثوري الإسلامي”، وتشير السلطات إلى أنه استخدم لغة مشفّرة وعدة هواتف وإجراءات أمن تشغيلي قبل محاولة تحديد أهداف وتجنيد شركاء.

تعكس هذه القضية نسخة «موجّهة من دولة» من ظاهرة أوسع: كثيرًا ما تتطوّر القدرات المتطرفة خارج البلد الذي تُنفَّذ فيه لاحقًا.

تكشف سجلات قضائية غربية المسار نفسه في عدد من القضايا، فقد سافر عبد الرحمن شيخ محمد، المقيم في أوهايو، عبر تركيا إلى سوريا، حيث تلقّى -بحسب الادعاء- تدريبًا على الأسلحة والمتفجرات قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة ويبدأ التخطيط لهجمات، ثم أقرّ بالذنب في تهم إرهاب.

آصف ميرشانت مواطن باكستاني أدين بتهم الإرهاب والقتل المأجور.
آصف ميرشانت مواطن باكستاني أدين بتهم الإرهاب والقتل المأجور.

وفي بريطانيا، اعترف عمران خواجة، المقيم في لندن، بسفره إلى سوريا والتحاقه بمعسكر تدريب وتلقيه تدريبات على السلاح.

وفي قضية أمريكية أخرى، وجّه الادعاء الفيدرالي في فبراير 2024 اتهامات إلى هرافة حسين عبدي، وهو مواطن أمريكي من مينيسوتا، بالانضمام إلى مقاتلي تنظيم داعش في الصومال، ووفقًا للادعاء، تلقّى عبدي تدريبًا في معسكر تابع للتنظيم في بونتلاند، وحمل بندقية AK-47 وتدرّب عليها، وعمل في الجناح الإعلامي للجماعة، قبل أن يهدد لاحقًا بتنفيذ هجمات في نيويورك.

ورصد محققون أوروبيون النمط ذاته من قبل، فقد سافر المتطرف الفرنسي مهدي نموش إلى سوريا، وانخرط في شبكات داعش وتلقى تدريبًا، ثم عاد إلى أوروبا ونفّذ هجومًا على المتحف اليهودي في بروكسل.

غالباً ما يقضي الأفراد الذين تم تطرفهم في المجتمعات الغربية وقتاً في بيئات مسلحة (مثل سوريا، المذكورة أعلاه) حيث يتم التدريب على الإرهاب.
غالباً ما يقضي الأفراد الذين تم تطرفهم في المجتمعات الغربية وقتاً في بيئات مسلحة (مثل سوريا، المذكورة أعلاه) حيث يتم التدريب على الإرهاب.

تكشف هذه القضايا مسارًا متكررًا وهو أن أفراداً يتطرّفون داخل مجتمعات غربية، يسافرون إلى الخارج، يقضون وقتًا في بيئات مسلحة حيث يتلقّون تدريبًا أو يكتسبون خبرة تشغيلية، ثم يعودون إلى أوطانهم.

أسمي ذلك “السياحة التكتيكية”.

وخلافًا لموجة «المقاتلين الأجانب» التي تصدّرت العناوين خلال الحرب السورية، تكون هذه الرحلات أقصر وأكثر تحديدًا، فالهدف ليس الانخراط طويل الأمد في صراع بعيد، بل اكتساب المهارات، والعلاقات، أو مصداقية تشغيلية يمكن توظيفها لاحقًا في الداخل.

البنية التحتية التي تدعم هذا النمط نادرًا ما تكون مرئية، ففي شمال شرق الصومال، على سبيل المثال، ينشط مقاتلو تنظيم الدولة من قواعد مخفية في سلسلة جبال «كال-ميسكات» قرب بوصاصو، هناك، تستضيف معسكرات مموّهة ضمن تضاريس وعرة مقاتلين أجانب يتلقون تدريبًا على استخدام الأسلحة وتجميع المتفجرات وفنون العمل العملياتي.

تُعد تركيا نقطة التقاء ملائمة للأفراد الذين يتطلعون إلى العبور بين الشرق والغرب.
تُعد تركيا نقطة التقاء ملائمة للأفراد الذين يتطلعون إلى العبور بين الشرق والغرب.

وتذكّرنا قضية عبدي بأن هذه البيئات لا تحتاج إلى تخريج قادة ميدانيين كي تبقى خطرة؛ يكفي أن توفّر قدرًا من التعرض للأسلحة أو الشبكات المتطرفة أو الثقة التشغيلية، بحيث يصبح العنف أكثر قابلية للتنفيذ حين يعود الفرد إلى الغرب.

وهنا تعود القصة إلى نيويورك.. شابان مراهقان من بنسلفانيا وصلا بحسب الادعاء إلى مانهاتن وهما يحملان عبوات تتطلب دراية تقنية حقيقية، لم يكونا يرتجلان في اللحظة؛ بل ناقشا مسبقًا سيناريوهات سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وخطط هجمات احتياطية، وعمليات دهس بمركبات وسط الحشود قبل وصولهما إلى المدينة، ويبقى ما إذا كان التحقيق سيُثبت روابط مباشرة بالخارج أمرًا لم يُحسم بعد.

لكن النمط الكامن وراء القضية مألوف لدى أجهزة مكافحة الإرهاب: قد يبدأ التطرّف في الداخل، لكن القدرة على تحويله إلى فعل تتكوّن غالبًا في مكان آخر.. وحين يعود أصحابها.. تعود العواقب معهم.

نقلاً عن نيويورك بوست