فيديريكو دي بلازي*
اعتدنا أن ننظر إلى العالم من خلال الخرائط السياسية التي تقسمه إلى قارات وحدود ودول، لكنني أعتقد أن هناك طريقة أخرى أكثر صدقاً لفهم تاريخ الشعوب: أن نتتبع الطعام الذي يجمعها.
فعلى امتداد آلاف السنين، لم يكن البحر الأبيض المتوسط مجرد مساحة مائية تفصل بين القارات، بل كان فضاءً حضارياً واحداً، امتزجت فيه اللغات والثقافات والتقاليد، قبل أن ترسم الدول الحديثة حدودها الصارمة، وربما لا يوجد دليل أوضح على هذه الهوية المشتركة من مطابخ المتوسط نفسها.
إذا سافرت على طول الساحل الإيطالي المطل على البحر التيراني، ثم عبرت إلى سواحل شمال إفريقيا، ومنها إلى جنوب فرنسا، ستكتشف أن طبقاً بسيطاً يرافقك في كل محطة: خليط متواضع من دقيق الحمص والماء وزيت الزيتون.. قد يُخبز في أفران الحطب أو يُقلى في الزيت، وقد يتغير اسمه في كل ميناء، لكن جوهره يبقى واحداً، وكأنه يروي قصة شعوب تشترك في تاريخ واحد يتجاوز الحدود السياسية الحديثة.
بدأت رحلتي مع هذا الاكتشاف في إقليم توسكانا الإيطالي.. ففي ليلة شتوية باردة وصلت إلى مدينة بيزا، وبين الأزقة التاريخية الضيقة لفت انتباهي ازدحام أمام مطعم صغير. ظننت أن الجميع ينتظر البيتزا، لكنني اكتشفت أن الطابور كان من أجل طبق محلي يسمى “تشيتشينا”، وهو فطيرة ذهبية من دقيق الحمص خرجت للتو من الفرن، يرش عليها الفلفل الأسود بسخاء.. ومن أول لقمة أدركت أنني أمام شيء استثنائي.
وعلى بعد كيلومترات قليلة، في مدينة ليفورنو، وجدت الطبق نفسه تقريباً، لكن تحت اسم مختلف هو “خمسة وخمسة”، نسبة إلى سعره القديم الذي كان خمسة ليرات للخبز وخمسة أخرى للفطيرة. وهنا لا تُقدم وحدها، بل داخل رغيف دائري، مع إضافات مثل الباذنجان المتبل بالخل والثوم والفلفل الحار. والمثير أن بيزا وليفورنو لا تزالان تتنافسان حتى اليوم على من اخترع هذا الطبق أولاً.
ومع مواصلة الرحلة شمالاً إلى إقليم ليغوريا، يظهر اسم جديد هو “فاريناتا”. وتحكي الأسطورة أن هذا الطبق ولد مصادفة بعد معركة ميلوريا عام 1284، عندما اختلط دقيق الحمص وزيت الزيتون بمياه البحر فوق إحدى السفن الجنوية أثناء عاصفة، ثم جف الخليط تحت الشمس، ليكتشف البحارة أنهم أمام وجبة لذيذة لم يكونوا يتوقعونها.
وانتقلت الوصفة لاحقاً إلى جزر إيطاليا؛ ففي سردينيا أصبحت تعرف باسم “فاينيه”، مع إضافة النقانق المجففة والبصل، بينما شهدت صقلية تحولاً مختلفاً، إذ صار الخليط يُقلى ليصبح “بانيلي”، وهي شرائح ذهبية تقدم داخل خبز السمسم مع قطرات من عصير الليمون.
ومن صقلية لا تفصلنا سوى مسافة قصيرة عن شمال إفريقيا، حيث ظهرت في مدينة وهران الجزائرية نسخة محلية تعرف باسم “كرانتيكا”، تأثرت بالمطبخ الإسباني خلال الحقبة الاستعمارية. وتمنح إضافة البيض والحليب لهذا الطبق قواماً كريمياً من الداخل وقشرة مقرمشة من الخارج.
ثم تمتد الرحلة إلى مدينة طنجة المغربية، حيث يعرف الطبق باسم “كالينتي”، ويُباع ساخناً في الشوارع مع الملح والكمون، محتفظاً بالروح نفسها وإن اختلفت التفاصيل.
ومن المغرب يصل هذا الإرث الغذائي إلى جبل طارق، حيث يحمل الاسم الإسباني “كالينتيتا”، قبل أن يقفز إلى مدينة مرسيليا الفرنسية، وهناك يتحول إلى “بانيس”، وهو طبق حمله المهاجرون الإيطاليون معهم عندما انتقلوا للعمل في المصانع الفرنسية، ليصبح جزءاً أصيلاً من هوية المدينة.
وفي مدينة تولون الفرنسية يعرف باسم “كاد”، بينما يبلغ محطته الأخيرة في مدينة نيس، حيث يتحول إلى طبق “سوكا” الشهير، الذي يتميز برقته وحوافه المقرمشة ونكهته الغنية بالفلفل الأسود.
كل هذه المحطات تؤكد بالنسبة إلي حقيقة واحدة: البحر الأبيض المتوسط لم يكن يوماً مجموعة من الحدود المنفصلة، بل كان فضاءً حضارياً واحداً.
وهذا ما يذكرني بمتحف حضارات أوروبا والبحر المتوسط في مرسيليا، الذي يوضح أن التنقل قديماً بين موانئ المتوسط كان أسهل بكثير من السفر إلى داخل اليابسة، وأن البحر كان طريقاً للتواصل لا حاجزاً للفصل.
ولهذا لم تكن الهجرة استثناءً في تاريخ المتوسط، بل كانت القاعدة؛ فقبل أن تتحول المياه إلى حدود مشددة الحراسة، كان الناس ينتقلون باستمرار بين ضفتي البحر حاملين معهم لغاتهم وعاداتهم وأطعمتهم، وليس غريباً أن تصبح أطباق مثل “بانيس” أو حتى البيتزا جزءاً من هوية مرسيليا، بعدما شكّل الإيطاليون نحو 40% من سكان المدينة بحلول خمسينيات القرن الماضي.
إن رحلة هذا الطبق المصنوع من دقيق الحمص ليست مجرد حكاية عن الطعام، بل هي خريطة صالحة للأكل، تثبت أن شعوب المتوسط تشترك في ذاكرة واحدة، سواء كنت تتناول قطعة “تشيتشينا” في أحد أزقة بيزا، أو “كالينتي” في طنجة، أو “سوكا” في نيس، فأنت في الحقيقة تتذوق الوصفة نفسها، والروح نفسها، والتاريخ نفسه.
لقد تغيرت الحدود السياسية، لكن هذا الطبق البسيط بقي شاهداً حياً على أن البحر المتوسط يمتلك روحاً واحدة؛ روحاً بحرية وتجارية وإنسانية… ولذيذة أيضاً.
*نقلاً عن الغارديان
