منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تهديد إنساني.. أزمة المياه في أفغانستان تتجاوز الشح وتحول لأزمة حقوقية

21 أبريل 2026
الأفغان يواجهون أزمة انخفاض مستويات المياه الجوفية
الأفغان يواجهون أزمة انخفاض مستويات المياه الجوفية

لم تعد أزمة المياه في كابل مجرد مشكلة خدمية أو موسمية، بل تحولت إلى واحدة من أخطر الأزمات الحضرية في أفغانستان، مع تراجع سريع في المياه الجوفية، واتساع الضغط السكاني، واستمرار الجفاف، وتآكل قدرة السكان الفقراء على الوصول إلى مياه آمنة وميسورة الكلفة.

وقالت منظمة “ميرسي كوربس” الحقوقية في تقريرها لعام 2025 إن العاصمة الأفغانية تواجه أزمة “متعددة الأبعاد” قد تتحول، إذا استمرت الاتجاهات الحالية، إلى تهديد وجودي لسكانها الذين يناهز عددهم 6 ملايين نسمة.

وحذرت المنظمة من أن كابل قد تتجه إلى نضوب حاد في طبقاتها المائية خلال السنوات المقبلة إذا لم تحدث تغييرات واسعة في إدارة المياه والاستثمار في البنية التحتية.

وتستند خطورة الأزمة إلى أرقام صادمة، فبحسب تقرير ميرسي كوربس، انخفضت مستويات المياه الجوفية في كابل بمقدار 25 إلى 30 مترًا خلال العقد الماضي، بينما تجاوز استخراج المياه معدل التغذية الطبيعية بنحو 44 مليون متر مكعب سنويًا.

ويضيف التقرير أن نحو نصف الآبار الارتوازية في كابل جف بالفعل، وأن أكثر من 120 ألف بئر غير منظم، إلى جانب المصانع والبيوت الزراعية، تستنزف الأحواض المائية الرئيسية للمدينة بوتيرة تقارب ضعف قدرتها على التجدد الطبيعي.

الأزمة تطال الجودة

ولا تقف الأزمة عند ندرة المياه، بل تمتد إلى جودتها أيضًا، فالتقرير نفسه يقدر أن ما يصل إلى 80 في المائة من المياه الجوفية في كابل ملوث بمياه الصرف والسموم والمواد الكيميائية، بما في ذلك الزرنيخ والنترات، وهو ما يرفع مخاطر الأمراض، خصوصًا على الأطفال وكبار السن.

ويحصل غالبية سكان المدينة على كميات أقل بكثير من الحد الموصى به للاستخدام اليومي، إذ يبلغ المتوسط نحو 20 لترًا للفرد يوميًا، مقارنة بمستوى مرجعي لا يقل عن 80 لترًا لتغطية الاحتياجات الأساسية بصورة آمنة.

وتوضح مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الحق في الماء يعني توافر مياه كافية وآمنة ومقبولة ويمكن الوصول إليها ماديًا وماليًا للاستخدامات الشخصية والمنزلية، وأن العجز عن توفيرها يمس حقوقًا أخرى مثل الصحة والغذاء والتعليم والكرامة.

وفي الأحياء الفقيرة من كابل، تبدو هذه الأرقام حياة يومية شاقة، فوكالة أسوشيتد برس وثقت في أبريل الجاري اضطرار سكان في أحياء مثل ده مزنغ إلى جلب المياه من آبار المساجد أو شرائها من عربات التوزيع، بينما اشتكى السكان من ثقل الأوعية وكلفة المياه المنقولة.

ونقلت الوكالة عن امرأة في الثانية والخمسين قولها إنها، رغم سنها وشيبها، ما تزال مضطرة إلى حمل المياه بنفسها، فيما قال رجل مسن: “لا نملك ثمن الطعام، فكيف يمكننا شراء الماء؟”.

كما أفادت بأن بعض المياه المتاحة مجانًا كانت صفراء ومالحة وغير صالحة للشرب، ما يدفع الأسر إلى الاختيار بين مياه غير آمنة ومياه مدفوعة الثمن لا تستطيع تحمل تكلفتها دائمًا.

عبء مالي متصاعد

ومن الناحية الاقتصادية، لم تعد المياه في كابل مجرد خدمة أساسية، بل عبئًا ماليًا متصاعدًا، فبحسب ميرسي كوربس، تضاعفت أسعار المياه المنقولة أو المباعة عبر الشبكات الخاصة بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات في بعض مناطق المدينة خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وأصبحت أسر كثيرة تنفق ما بين 15 و30 في المائة من دخلها الشهري على المياه، بعدما كانت النسبة في حدود 5 في المائة قبل عام 2021.

كما ذكرت المنظمة أن صهاريج المياه الخاصة قد تتقاضى أكثر من 5 دولارات للمتر المكعب، وهو ما يعمق الاستدانة ويضاعف هشاشة الأسر الفقيرة.

وفي غرب كابل، قالت المنظمة إن الكلفة الأسبوعية للمياه لأسرة واحدة قد تصل إلى 400 إلى 500 أفغاني، بما يتجاوز في بعض الحالات ما تنفقه الأسرة على الغذاء.

أزمة إنسانية أوسع

وتتداخل الأزمة المائية مع أزمة إنسانية أوسع في أفغانستان، فبحسب تقرير اليونيسف لنداء العمل الإنساني لعام 2026، اعتمد 25 في المائة من الأسر في 2025 على مصادر مياه غير محسنة، فيما قال 46 في المائة من الأسر إن الوصول إلى مياه شرب آمنة هو أبرز أولوياتها.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن 21.9 مليون شخص، أي نحو 45 في المائة من السكان، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية هذا العام، في ظل فقر واسع، وجفاف مستمر، وعودة جماعية للاجئين، وتراجع التمويل الدولي.

وفي مارس الماضي، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن “ملايين الأفغان يعيشون في فقر مدقع، محرومين من حقهم في الغذاء الكافي والمياه النظيفة والتعليم والرعاية الصحية والعمل”.

وتتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر من هذه الأزمة، فاليونيسف تؤكد أن ندرة المياه تقع بأثقالها على النساء والفتيات لأنهن غالبًا المسؤولات عن جمع المياه للأسر، وهو عبء يستهلك ساعات من يومهن ويحد من فرص التعلم والعمل، ويزيد أيضًا من احتمالات المرض وسوء التغذية والزواج المبكر في البيئات الأشد فقرًا.

وفي أفغانستان، حيث تدهورت أوضاع النساء والفتيات على نحو حاد تحت حكم طالبان، تصبح أزمة المياه مضاعِفًا إضافيًا للتمييز والحرمان، لا مجرد مسألة خدمية.

وتقول مفوضية حقوق الإنسان إن حياة النساء والفتيات تدهورت بشدة، في وقت تتسع فيه الحاجة الإنسانية ويضيق الوصول إلى الخدمات والفرص.

عودة مليوني مهاجر

وتتفاقم الأزمة كذلك بسبب النمو السكاني السريع وعودة اللاجئين، فالبنك الدولي قال في تحديثه عن الاقتصاد الأفغاني إن البلاد شهدت في 2025 عودة أكثر من مليوني مهاجر ولاجئ، وإن هذه العودة دفعت النمو السكاني إلى نحو 8.6 في المائة خلال السنة المالية، مع ضغط متزايد على الخدمات العامة والطلب الحضري.

كما أوضحت أسوشيتد برس أن كابل نفسها ارتفع عدد سكانها من نحو 2.5 مليون نسمة في 2001 إلى نحو 6 ملايين اليوم، ما يفسر جزءًا كبيرًا من التحول من أزمة إدارة إلى أزمة نقص حاد.

أما سلطات طالبان، فتقول إنها اتخذت بعض الخطوات للتخفيف من الأزمة، مثل تقييد استخراج المياه الجوفية على الشركات والمستخدمين التجاريين، وتركيب عدادات وفرض حصص على بعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك، إلى جانب بناء حواجز مائية صغيرة وآبار امتصاص في أحياء العاصمة.

وأشارت إلى افتتاح سد شاه وعروس في 2024، وزيادة سعة سد قرغه بعد إزالة الرواسب، غير أن هذه الإجراءات، بحسب الخبراء، تبقى محدودة قياسًا بحجم المشكلة.

وتؤكد أسوشيتد برس وميرسي كوربس أن مشروعين رئيسيين ما يزالان متعثرين: خط نقل المياه من نهر بنجشير بطول يقارب 200 كيلومتر، وسد شاه توت جنوب غربي كابل.

ويمكن للمشروعين معًا، إذا نُفذا، أن يوفرا المياه لنحو 4 ملايين شخص، إلا أن التمويل والتأخير الإداري والفني ما تزال تعرقل التنفيذ، رغم حديث مسؤولين عن اعتماد مبدئي لميزانية قدرها 130 مليون دولار لمشروع بنجشير.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية