تتزايد المخاوف الدولية من اتساع نطاق تفشي فيروس إيبولا في وسط إفريقيا، بعد تحذيرات جديدة أطلقها مسؤولون صحيون في الولايات المتحدة تشير إلى احتمال ارتفاع عدد الإصابات إلى أكثر من 20 ألف حالة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة وفعالة لاحتواء المرض ومنع انتشاره بين السكان.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، نشرت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها مجموعة من السيناريوهات المستندة إلى نماذج حاسوبية متطورة، أظهرت أن عدد الإصابات المحتمل قد يتراوح بين 10 آلاف وأكثر من 20 ألف حالة خلال الفترة المقبلة، وذلك وفقاً لسرعة تنفيذ التدخلات الصحية وقدرة السلطات على عزل المصابين وتتبع المخالطين ووقف سلاسل العدوى.
سيناريوهات تثير القلق
وأوضحت المراكز الأمريكية أن السيناريو الأكثر تشاؤماً يقترب من حجم أكبر تفشٍ لفيروس إيبولا في التاريخ الحديث، وهو الوباء الذي ضرب دول غرب إفريقيا بين عامي 2014 و2016 وأسفر عن أكثر من 28 ألف إصابة وما يزيد على 11 ألف وفاة، ما يجعله أحد أكثر الأوبئة فتكاً في العقود الأخيرة.
وقال الدكتور ساتيش بيلاي، مدير قسم الاستجابة لإيبولا في المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، إن النماذج العلمية تشير إلى احتمال وصول التفشي إلى مستويات خطيرة للغاية إذا لم تُنفذ تدخلات قوية في مجال الصحة العامة، وأكد أن احتواء المرض يتطلب استجابة سريعة ومنسقة على المستويين المحلي والدولي.
من جانبها، اعتبرت جنيفر نوزو، مديرة مركز الأوبئة بجامعة براون الأمريكية، أن نتائج النماذج الحالية تعزز المخاوف التي أبدتها الأوساط الصحية منذ بداية الأزمة، مشيرة إلى أن مسار التفشي الحالي يبعث على القلق، لكنها في الوقت نفسه شددت على أن توقع الأعداد النهائية للإصابات يبقى أمراً معقداً بسبب محدودية البيانات المتاحة وسرعة تغير الأوضاع الميدانية.
ارتفاع الإصابات في الكونغو
وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع إعلان جمهورية الكونغو الديمقراطية تسجيل 71 إصابة مؤكدة جديدة بفيروس إيبولا خلال 24 ساعة فقط، في أكبر حصيلة يومية منذ بداية موجة التفشي الحالية.
وأظهرت البيانات الصادرة عن وزارة الصحة الكونغولية ارتفاع العدد الإجمالي للحالات المؤكدة إلى 452 حالة منذ الإعلان عن تفشي سلالة بونديبوجيو النادرة من الفيروس في 15 مايو الماضي، في حين ارتفع عدد الوفيات المؤكدة إلى 82 حالة.
وتتركز غالبية الإصابات في إقليم إيتوري الواقع شمال شرقي البلاد، وهي منطقة تعاني من تحديات كبيرة تشمل ضعف الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق وانتشار أعمال العنف وانعدام الاستقرار الأمني، ما يزيد من صعوبة السيطرة على المرض.
انتشار مستمر للعدوى
وأشارت السلطات الصحية إلى أن تسجيل 65 حالة جديدة في إيتوري وست حالات أخرى في إقليم نورث كيفو يعكس استمرار انتقال العدوى بوتيرة متسارعة بين السكان، الأمر الذي يثير قلق المنظمات الدولية العاملة في مجال الصحة العامة.
وأكد تقرير وزارة الصحة أن المؤشرات الحالية تدل على انتقال نشط ومستمر للفيروس داخل المجتمعات المحلية، ما يستدعي تعزيز عمليات الكشف المبكر وتتبع المخالطين وتوفير الرعاية الصحية للمصابين.
كما تم تسجيل حالات إصابة مؤكدة في أوغندا المجاورة، ما يعزز المخاوف من امتداد التفشي إلى نطاق إقليمي أوسع إذا لم يتم احتواء البؤر النشطة بسرعة.
استجابة دولية واسعة
وفي محاولة لمنع تفاقم الأزمة، أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إطلاق خطة استجابة تمتد لستة أشهر بتكلفة تصل إلى 518 مليون دولار، بهدف دعم جهود مكافحة الفيروس في الكونغو وأوغندا والدول المجاورة المعرضة لخطر انتقال العدوى.
وأوضحت المنظمة أن الخطة تم إعدادها بالتعاون مع المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وتركز على تعزيز أنظمة المراقبة الصحية، وتحسين قدرات الفحص والتشخيص، وتكثيف الإجراءات الوقائية على المعابر الحدودية، إضافة إلى دعم فرق الاستجابة الميدانية.
ودعا تيدروس المجتمع الدولي إلى توفير التمويل اللازم وضمان وجود التزام سياسي قوي من أجل منع تحول التفشي الحالي إلى أزمة صحية عالمية جديدة.
دعم أمريكي إضافي
وفي إطار الجهود الدولية، أعلنت الولايات المتحدة تقديم تمويل إضافي بقيمة 38 مليون دولار لدعم عمليات الاستجابة الجارية، ليرتفع إجمالي التعهدات الأمريكية المباشرة لمواجهة تفشي إيبولا إلى أكثر من 200 مليون دولار.
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن واشنطن تعمل بشكل وثيق مع السلطات في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا، إضافة إلى المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، لضمان تنفيذ استجابة سريعة وشاملة للحد من انتشار الفيروس.
كما كشفت الوزارة أن عدداً من المواطنين الأمريكيين الذين تعرضوا للفيروس دون ظهور أعراض عليهم سيخضعون لإجراءات حجر صحي داخل منشأة يتم تجهيزها في كينيا، في خطوة احترازية تهدف إلى منع أي انتقال محتمل للعدوى.
يعد فيروس إيبولا من أخطر الأمراض الفيروسية المعروفة، إذ يسبب حمى نزفية حادة قد تؤدي إلى الوفاة في نسب مرتفعة من الحالات إذا لم يتلقَّ المصابون الرعاية الطبية المناسبة، وينتقل الفيروس عبر ملامسة سوائل جسم الشخص المصاب أو الأسطح الملوثة، كما يمكن أن ينتشر خلال مراسم الدفن التقليدية أو عبر الاتصال المباشر بالمصابين، ومنذ اكتشافه لأول مرة عام 1976 في وسط إفريقيا، شهدت القارة عدة موجات تفشٍ متفاوتة الخطورة، إلا أن وباء غرب إفريقيا بين عامي 2014 و2016 يبقى الأكبر والأكثر دموية في تاريخ المرض. وتعد جمهورية الكونغو الديمقراطية من أكثر الدول تعرضاً لتفشي إيبولا بحكم موقعها الجغرافي ووجود مناطق نائية تعاني من ضعف البنية الصحية، الأمر الذي يجعل احتواء المرض تحدياً دائماً أمام السلطات المحلية والمنظمات الدولية.
