قد يبدو “تعزيز التعاون الدولي في ميدان حقوق الإنسان” عنواناً توافقياً لا يثير الخلاف، فالتعاون، من حيث المبدأ، قيمة إيجابية: حوار، تبادل خبرات، بناء قدرات، تضامن، ومساعدة للدول على الوفاء بالتزاماتها، لكن مناقشات مجلس حقوق الإنسان حول هذا الملف كشفت أن التعاون الدولي قد يتحول سريعاً إلى واحدة من أكثر ساحات الانقسام السياسي حدة.
مشروع القرار الذي قدمته أوغندا باسم حركة عدم الانحياز انطلق من فكرة أن التعاون الدولي هو حجر الأساس للعمل متعدد الأطراف، خصوصاً في ظل الأزمات العالمية، وتزايد الفقر، والتحديات التنموية، وتراجع الثقة بالنظام الدولي، بالنسبة لحركة عدم الانحياز وعدد من دول الجنوب، لا يمكن عزل حقوق الإنسان عن النظام الاقتصادي العالمي، والعقوبات، والديون، والتنمية، والفجوات بين الشمال والجنوب.
كوبا دعمت هذا الطرح بقوة، مركزة على رفض الإجراءات الأحادية القسرية وتأثيرها في الشعوب، وخاصة فيما يتعلق بالغذاء والدواء والوقود، الصين أيضاً اعتبرت أن هذه التدابير تقوض سيادة القانون والعمل متعدد الأطراف، وتعرقل تنفيذ خطة التنمية المستدامة.
التعاون الدولي لتعزيز الحقوق
من جانبها، شددت مصر على أن التعاون الدولي ليس عنصراً ثانوياً، بل ركيزة تمكن الدول من تعزيز الحقوق عبر تبادل الخبرات وبناء القدرات والشراكة بدلاً من الاستقطاب، إثيوبيا ركزت على التعاون جنوب-جنوب، وشمال-جنوب، والتعاون الثلاثي، ودور الاستعراض الدوري الشامل بوصفه آلية تعاونية.
في المقابل، عارض الاتحاد الأوروبي، عبر إستونيا، مشروع القرار بسبب إدراج مفاهيم لا تحظى بتوافق أممي كامل، مثل “النظام الاقتصادي الدولي الجديد”، وبسبب اللغة المتعلقة بالإجراءات الأحادية القسرية، اليابان ذهبت في الاتجاه نفسه، مؤكدة أن أصحاب الحقوق هم الأفراد وليس الدول، وأن المسؤولية الأساسية عن حماية حقوق الإنسان تقع على كل دولة تجاه سكانها.
وسحبت تشيلي، رغم عضويتها في حركة عدم الانحياز، رعايتها وقررت الامتناع عن التصويت، منتقدة العملية التفاوضية وبعض الصياغات التي رأت أنها قد تنقل المسؤولية من الدولة إلى المجتمع الدولي.
هنا يظهر جوهر الخلاف: هل الحديث عن التعاون الدولي يعزز حقوق الإنسان، أم قد يستخدم لتخفيف مسؤولية الدول عن انتهاكاتها الداخلية؟ وهل الإجراءات الاقتصادية والعقوبات جزء من النقاش الحقوقي، أم قضية سياسية خارج ولاية المجلس؟ وهل النظام الاقتصادي العالمي مسؤول عن بعض أزمات الحقوق، أم إن التركيز عليه يشتت الانتباه عن واجبات الحكومات؟
المكسيك قدمت موقفاً متوازناً نسبياً، فقد دعمت القرار، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن المسؤولية الأساسية عن حماية حقوق الإنسان تقع على عاتق الدول، وأن الأفراد هم أصحاب الحقوق، هذا الموقف يفتح الطريق لمقاربة أكثر توازناً: نعم، التعاون الدولي ضروري، لكن لا يجوز أن يصبح بديلاً عن التزامات الدولة، ونعم، السياسات الدولية والعقوبات والاقتصاد تؤثر في الحقوق، لكن لا يجوز أن تستخدمها الحكومات ذريعة لتبرير التقصير أو القمع.
من يدفع ثمن السياسة؟
السؤال “من يدفع ثمن السياسة؟” هو جوهر هذا الملف، عندما تُفرض إجراءات اقتصادية واسعة، قد يعاني المدنيون من نقص الدواء أو الوقود أو الخدمات، وعندما تتراجع مساعدات التنمية لمصلحة الإنفاق العسكري، تتضرر الفئات الفقيرة، وعندما تفشل الدول في إدارة مواردها أو تحترم الحقوق، يدفع المواطن الثمن أيضاً، المدنيون غالباً عالقون بين سياسات دولية قاسية وحكومات لا تتحمل مسؤوليتها كاملة.
لذلك لا يكفي أن يقول طرف إن العقوبات تنتهك الحقوق، ولا يكفي أن يقول طرف آخر إن الدولة وحدها مسؤولة، الحقيقة أكثر تعقيداً، حقوق الإنسان تتأثر بالداخل والخارج معاً: بالسياسات الوطنية، وبالنظام الاقتصادي العالمي، وبالنزاعات، وبالعقوبات، وبالفساد، وبضعف المؤسسات، وبالتمييز، أي تحليل جاد يجب أن يرى هذه الطبقات كلها.
لكن الخطر أن يتحول النقاش إلى معركة مصطلحات، “الإجراءات الأحادية القسرية”، “النظام الاقتصادي الدولي الجديد”، “عدم التسييس”، “التعاون الدولي”، “السيادة”، كلها عبارات تحمل تاريخاً سياسياً وثقلاً دبلوماسياً، وعندما تختلف الدول على المصطلحات، قد تضيع الفئات المتضررة من النقاش: المرضى، الفقراء، الأطفال، النساء، كبار السن، واللاجئون.
تعزيز حقوق الإنسان
حقوق الإنسان تحتاج إلى تضامن لا يلغي المساءلة، ومساءلة لا تتجاهل أثر النظام الدولي، تحتاج إلى تعاون يحترم الأولويات الوطنية، لكنه لا يصمت أمام الانتهاكات، وتحتاج إلى نظام دولي لا يعاقب المدنيين باسم السياسة، ولا يسمح للحكومات بالتهرب من مسؤولياتها باسم السيادة.
ما حدث في مجلس حقوق الإنسان لم يكن مجرد تصويت على قرار، كان انعكاساً لصراع أوسع حول معنى العدالة في عالم غير متكافئ، فهل تُحمى الحقوق عبر الضغط والمساءلة؟ أم عبر الحوار وبناء القدرات؟ أم عبر إصلاح النظام الدولي نفسه؟ ربما لا تكفي إجابة واحدة، لكن المؤكد أن الإنسان، لا الدولة ولا المصطلح، يجب أن يبقى مركز النقاش.
