منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين الفقر وضعف التمويل.. أزمات النظام الصحي تفاقم معاناة النساء في أوغندا

19 أبريل 2026
الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي لا يتجاوز نحو 6 بالمئة من الميزانية العامة. بحسب بيانات وزارة الصحة الأوغندية.
الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي لا يتجاوز نحو 6 بالمئة من الميزانية العامة. بحسب بيانات وزارة الصحة الأوغندية.

في أحد الأحياء الفقيرة في العاصمة الأوغندية كمبالا، يبرز حي كاسانفو كواحد من أكثر المناطق هشاشة من حيث الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، في هذا السياق لا تقتصر معاناة النساء على محدودية العلاج أو نقص الأدوية، بل تمتد إلى صعوبات يومية مرتبطة بالوصول إلى رعاية صحية تحفظ الكرامة الإنسانية، وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الفقر الحضري في كمبالا يضاعف صعوبة الوصول إلى الخدمات العامة، خاصة في الأحياء العشوائية التي تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية.

شهد القطاع الصحي في أوغندا تحسنا نسبيا منذ تسعينيات القرن الماضي بفضل دعم دولي واسع، إلا أن هذه المكاسب تراجعت تدريجيا بسبب النمو السكاني السريع وتراجع التمويل المحلي، وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاعتماد على المساعدات الخارجية ما زال يشكل جزءا مهما من تمويل القطاع الصحي.

تشير بيانات وزارة الصحة الأوغندية لعام 2025 إلى أن الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي لا يتجاوز نحو 6 بالمئة من الميزانية العامة، وهو أقل بكثير من الهدف الإفريقي المحدد في إعلان أبوجا والبالغ 15 بالمئة، ويؤكد البنك الدولي أن هذا النقص المزمن في التمويل يؤدي إلى ضعف القدرة التشغيلية للمستشفيات العامة، ونقص الأدوية الأساسية، وتراجع جودة الخدمات في المراكز الصحية الطرفية، خصوصا في المناطق الفقيرة داخل المدن الكبرى.

نقص حاد في الكوادر الطبية

توضح بيانات منظمة الصحة العالمية أن أوغندا تسجل نحو 1.5 طبيب لكل 10 آلاف نسمة، وهو معدل يقل كثيرا عن الحد الأدنى الموصى به لضمان نظام صحي فعال، كما تشير التقارير إلى عجز كبير في عدد القابلات والممرضين، ما يؤدي إلى ضغط شديد على أقسام الطوارئ والولادة، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذا النقص ينعكس بشكل مباشر على معدلات الوفيات التي يمكن تفاديها في حالات الحمل والولادة والرعاية الأولية.

أزمة صحة الأمهات

تشير تقديرات الأمم المتحدة لعام 2025 إلى أن معدل وفيات الأمهات في أوغندا يبلغ نحو 189 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، ويُعد هذا الرقم من بين الأعلى في منطقة شرق إفريقيا، وتوضح منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن جزءا كبيرا من هذه الوفيات يرتبط بتأخر الوصول إلى الرعاية الطبية، وضعف خدمات الطوارئ التوليدية، ونقص الكوادر المؤهلة في المناطق الفقيرة والريفية.

فجوة الوصول إلى الخدمات الصحية

وفق تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يواجه نحو 40 بالمئة من سكان أوغندا صعوبات في الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية، بسبب الفقر أو المسافة أو ضعف المرافق، وتبرز هذه الفجوة بشكل أكثر حدة في الأحياء الفقيرة داخل كمبالا مثل كاسانفو، حيث تضطر العديد من النساء إلى تأجيل العلاج أو اللجوء إلى حلول غير طبية بسبب التكلفة أو بعد المراكز الصحية.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 38 بالمئة من إجمالي الإنفاق الصحي في أوغندا يتم من خلال الدفع المباشر من قِبل الأسر، وهو ما يشكل عبئا كبيرا على الفئات الفقيرة، ويؤدي هذا الواقع إلى تأخير طلب العلاج أو التخلي عنه بالكامل في بعض الحالات، ما يزيد من تعقيد الأمراض البسيطة ويحولها إلى حالات مزمنة أو طارئة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن أوغندا ما زالت تواجه عبئا كبيرا من الأمراض المعدية، وعلى رأسها الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية، وتشير التقديرات إلى أن الملاريا وحدها تمثل نسبة كبيرة من حالات الدخول إلى المستشفيات، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل، في ظل ضعف إجراءات الوقاية والبنية الصحية.

الصحة الإنجابية والتنظيم الأسري

تشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن نحو 28 بالمئة من النساء في أوغندا لا يحصلن على خدمات تنظيم الأسرة الحديثة، ويؤدي هذا النقص إلى ارتفاع معدلات الحمل غير المخطط له، خاصة بين الفتيات المراهقات، كما تؤكد التقارير أن نقص التوعية والخدمات الصحية المناسبة يساهم في استمرار هذه الفجوة، خصوصا في المناطق الفقيرة.

أشارت تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى وجود حالات من سوء المعاملة داخل بعض المرافق الصحية في أوغندا، خاصة أثناء الولادة، بما في ذلك الإهمال أو المعاملة غير اللائقة، وتؤكد المنظمة أن هذه الممارسات تؤثر على ثقة النساء في النظام الصحي وتدفع البعض إلى تجنب الذهاب إلى المستشفيات إلا في الحالات الحرجة، ما يزيد من المخاطر الصحية.

الفقر كعامل مضاعف للأزمة

تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو 41 بالمئة من سكان أوغندا يعيشون تحت خط الفقر الوطني، ويؤثر هذا العامل بشكل مباشر على القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية، حيث تصبح تكلفة العلاج والنقل والأدوية عائقا أساسيا أمام الفئات الهشة، خاصة النساء في المناطق الحضرية الفقيرة.

تؤدي هذه التحديات إلى آثار اجتماعية واسعة، حيث ينعكس ضعف النظام الصحي على معدلات التعليم والإنتاجية والاستقرار الأسري، وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن الأطفال في الأسر الفقيرة أكثر عرضة لسوء التغذية والأمراض المرتبطة بضعف الرعاية الصحية، ما يخلق حلقة مستمرة من الهشاشة.

مبادرات محلية ودعوات دولية

في ظل هذه التحديات، تظهر مبادرات محلية مثل مركز أماني للعائلة في كاسانفو كمحاولة لتقديم نموذج مختلف للرعاية الصحية، يركز على الاحتياجات الإنسانية للنساء، وتشير تقارير منظمات المجتمع المدني الأوغندية إلى أن هذه المراكز تسهم في تحسين جودة الخدمات على مستوى محدود، لكنها لا تستطيع تعويض ضعف النظام الصحي العام.

ومن جانبها، تؤكد منظمة الصحة العالمية ضرورة زيادة الاستثمار في البنية التحتية الصحية في أوغندا، وتحسين توزيع الكوادر الطبية بين المدن والمناطق الريفية، كما تدعو مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى تعزيز احترام الحق في الصحة باعتباره حقا أساسيا غير قابل للتجزئة، يشمل جودة الرعاية وعدم التمييز في تقديم الخدمات.

الإطار الحقوقي الدولي

ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، وتؤكد الأمم المتحدة أن أوغندا ملتزمة قانونيا بتوفير خدمات صحية ميسورة وعادلة، تشمل الرعاية الوقائية والعلاجية دون تمييز، مع ضمان احترام كرامة المرضى.

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن أوغندا تشهد نموا سكانيا سريعا، حيث تضاعف عدد السكان خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ويؤدي هذا النمو إلى ضغط إضافي على النظام الصحي الذي لم يتطور بالوتيرة نفسها، ما يخلق فجوة مستمرة بين الطلب على الخدمات الصحية والقدرة على توفيرها.

تتراكم هذه العوامل لتنتج واقعا إنسانيا معقدا، تتأثر فيه النساء بشكل خاص بسبب ارتباطهن المباشر بخدمات الصحة الإنجابية والأمومة، وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن استمرار هذه الفجوة قد يؤدي إلى إبطاء التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالصحة والمساواة.

تظهر المعطيات الصادرة عن وزارة الصحة الأوغندية ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن أزمة الرعاية الصحية في أوغندا ليست أزمة نقص خدمات فقط، بل هي أزمة بنيوية متعددة الأبعاد تشمل التمويل والكوادر والفقر وسوء الوصول إلى الخدمات، وفي ظل هذا الواقع، يظل تحسين النظام الصحي مرتبطا بقدرة الدولة على رفع الاستثمار في القطاع الصحي، وتعزيز العدالة في توزيع الخدمات، وضمان احترام الحق في الصحة كأحد الحقوق الأساسية التي أقرتها المواثيق الدولية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية