في جنوب إفريقيا لا تزال الأرض واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بذاكرة الفصل العنصري وبفكرة العدالة نفسها، وفي هذا السياق، تبرز قرية بروتيا في منطقة بيشوبسكورت الراقية في كيب تاون بوصفها واحدة من أكثر قصص استعادة الأرض رمزية.. مجتمع أُزيل قسرًا خلال حقبة الفصل العنصري، ثم عاد أحفاده بعد عقود طويلة ليبدؤوا استعادة المكان والكرامة معاً.
ووفق تقارير محلية، بدأت أعمال البنية التحتية للمشروع في 2025 بعد مسار امتد قرابة ثلاثة عقود منذ تقديم المطالبة الأولى بالأرض في 1995، وقد تعرض سكان بروتيا للإزالة القسرية بين 1959 و1970 بموجب قانون المناطق الجماعية الذي استخدمه نظام الفصل العنصري لإقصاء السكان غير البيض من الأحياء ذات القيمة العالية وإعادة توزيع المدن على أساس عرقي.
وبعد انتهاء النظام العنصري، تقدمت الأسر بمطالبتها رسمياً في 1995 بموجب قانون استعادة حقوق الأراضي لعام 1994، ثم مُنحت الأرض في 2006، ووفق التقارير الخاصة بالمشروع، اختارت 86 عائلة استعادة حقها في الأرض والعودة إلى الموقع، في حين اختارت 46 عائلة التعويض المالي بدل العودة.
هذه العودة ليست مجرد انتقال سكني متأخر، بل تصحيح متدرج لاقتلاع تاريخي، موقع قرية بروتيا Protea Village الرسمي يصف المشروع بأنه مسار لـ“استعادة الكرامة وإعادة بناء المجتمع بمسؤولية”، في حين تؤكد التغطيات الصحفية في كيب تاون أن العائلات انتظرت أكثر من نصف قرن لتعود إلى أرضها الأصلية.
قانون استعادة الأراضي
الأساس القانوني لهذه العودة هو قانون استعادة حقوق الأراضي رقم 22 لسنة 1994 الذي صدر بعد نهاية الفصل العنصري ليمنح الأشخاص أو المجتمعات التي سُلبت منها حقوقها في الأرض بسبب قوانين عنصرية منذ 19 يونيو 1913 حق المطالبة بالاستعادة أو التعويض أو شكل آخر من الجبر.
وينص القانون أيضاً على إنشاء لجنة استعادة حقوق الأراضي ومحكمة مطالبات الأراضي للنظر في هذه الملفات.
ويحظى هذا المسار بغطاء دستوري أيضاً، فالدستور الجنوب إفريقي، في المادة 25 الخاصة بالملكية والإصلاح الزراعي، يعترف صراحة بحق من حُرموا من أراضيهم بسبب ممارسات عنصرية في طلب الاستعادة أو التعويض، كما يربط “المصلحة العامة” بالتزام الدولة بالإصلاح الزراعي ومعالجة اختلالات الماضي.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن استعادة الأرض في جنوب إفريقيا حققت تقدماً واسعاً، لكن ببطء وتعقيد كبيرين، فبحسب بيان مجلس الوزراء الجنوب إفريقي الصادر في 2 أبريل 2026، تمت حتى مارس 2025 تسوية 83,205 مطالبات أرض.
وأسفر ذلك عن استعادة 3.9 مليون هكتار من الأرض للمجتمعات والأفراد الذين جرى انتزاعهم منها، مع استثمارات حكومية بلغت 58 مليار راند في شراء الأراضي والمنح والتعويضات، استفاد منها 376,976 مستفيداً على مستوى البلاد.
استعادة حقوق الأراضي
وتظهر وثائق لجنة استعادة حقوق الأراضي أن البرنامج، حتى 31 ديسمبر 2024، كان قد بلغ 83,348 مطالبة مسوّاة، مع تأكيد أن 3.9 مليون هكتار أُعيدت عبر مسار الاستعادة وحده.
وتوضح وثائق وزارة الإصلاح الزراعي أن مجمل برامج الإصلاح الأرضي الحكومية -ومنها إعادة التوزيع والاستعادة وإصلاح الحيازة- تجاوزت 9.2 مليون هكتار، منها 3.9 مليون هكتار ضمن برنامج الاستعادة وحده.
بروتيا ليست مجرد ملف إداري، فهي تقع في بيشوبسكورت، إحدى أغلى الضواحي في كيب تاون، ما جعل عودة العائلات المُهجّرة إلى هذا الموقع تحديداً اختباراً صريحاً لفكرة العدالة المكانية بعد الفصل العنصري.
وصف المشروع بأنه مثال نادر على إعادة مجتمع مُقتلع إلى أرضه الأصلية داخل حي غني ما زال يحتفظ بطابعه النخبوي، بدل الاكتفاء بتعويض مالي أو إعادة توطين بعيد عن الموقع التاريخي.
ولهذا السبب كثيراً ما توصف بروتيا بأنها مشروع “فريد من نوعه” في جنوب إفريقيا، تقارير عقارية ومحلية تحدثت عن المشروع بوصفه “أول مشروع من نوعه لاستعادة الأرض” من حيث الجمع بين حق العودة الفعلي والتطوير السكني الحديث في منطقة مرتفعة القيمة وشملت الأشغال الأولى شملت الماء والكهرباء والطرق، على أن تُستكمل المنازل بحلول 2027.
الأرض كرامة لا عقار
أهمية ملف بروتيا لا تُفهم فقط من خلال الأرقام، بل من خلال ما تعنيه الأرض للعائلات التي انتظرت عقوداً، ففي تغطية لموقع GroundUp، نقلت إحدى السيدات، وكانت في العشرينات عند تهجير عائلتها، أنها تبلغ اليوم 93 عاماً، وقالت إن الوصول إلى هذه اللحظة “أمر مفرح”.
هذه الشهادة تختصر البعد الإنساني للقضية: الأرض هنا ليست مجرد أصل مالي، بل مساحة ذاكرة واعتراف متأخر بأن ما جرى كان ظلماً يجب أن يُصحح.
ومن هذا المنظور، تندرج استعادة الأرض ضمن منظومة أوسع من الحقوق والجبر. فاستعادة الملكية أو التعويض عنها ليست إجراءً تقنياً فقط، بل جزء من إعادة الاعتبار للضحايا وذريتهم، وتصحيح آثار التمييز العنصري التي امتدت من السكن إلى التعليم والعمل والمكانة الاجتماعية.
البعد الحقوقي للقضية
الحكومة الجنوب إفريقية نفسها تقدم استعادة الأرض بوصفها أداة للعدالة الوطنية والمصالحة، موقع Gov.za يربط الإصلاح الأرضي مباشرة بقوانين 1913 و1936 العنصرية التي حصرت ملكية الأفارقة السود في 7% ثم 13% من أراضي البلاد، وأدت إلى ترحيل جماعي إلى “أوطان” فقيرة وبلدات هشة التخطيط والخدمات، لذلك، فإن برامج الاستعادة وإعادة التوزيع وإصلاح الحيازة تُعرض رسمياً بوصفها وسائل لمعالجة هذا الاختلال التاريخي.
كما أن مؤسسات بحثية وحقوقية في جنوب إفريقيا حذرت مراراً من أن البطء في إنجاز العدالة الأرضية يهدد بفقدان ثقة المجتمعات المتضررة، فمعهد PLAAS في جامعة ويسترن كيب أشار في مارس 2025 إلى أن ميزانية الإصلاح الأرضي في السنة المالية 2025/26 لا تتجاوز 0.4% من الموازنة الوطنية، معتبراً أن الفجوة بين الخطاب والتمويل تهدد فرص “العدالة الأرضية” الحقيقية.
ولا تزال القضية مفتوحة حتى الآن؛ لأن استعادة الأرض في جنوب إفريقيا ليست مجرد تسوية ملفات قديمة، بل صراع مستمر مع اللامساواة البنيوية التي ورثها البلد عن الاستعمار والفصل العنصري.
وأشارت وكالة رويترز في فبراير 2025 إلى أن قوانين الإصلاح والاستملاك تهدف إلى معالجة استبعاد السود تاريخياً من ملكية الأرض والاقتصاد، في وقت لا تزال فيه أنماط التملك شديدة الاختلال بعد أكثر من 30 عاماً على نهاية الفصل العنصري.
ولهذا، فإن بروتيا تبدو مهمة لأنها تُظهر ما يمكن أن تبدو عليه الاستعادة عندما تتحول من تعويضات نقدية أو وعود بعيدة إلى عودة فعلية إلى الأرض، لكنها في الوقت نفسه تكشف صعوبة هذا المسار، فالمطالبة قُدمت في 1995، ومُنحت الأرض في 2006، ولم تبدأ أعمال العودة الملموسة إلا في 2025، أي بعد نحو 30 عاماً من بدء المسار القانوني.

