بين شخص يعبر الحدود حاملاً وثائق قليلة، وثانٍ يترك منزله على أمل العودة بعد أيام، وثالث ينتظر قراراً يمنحه حق البقاء، تتشكل كل عام صورة واحدة لأزمة باتت من كبريات قضايا العالم المعاصر.. النزوح القسري.
في 20 يونيو من كل عام تحيي الأمم المتحدة اليوم العالمي للاجئين، وهو اليوم المخصص لتكريم اللاجئين في أنحاء العالم وتسليط الضوء على أوضاع الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من أوطانهم بسبب النزاعات أو الاضطهاد أو العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان.
ويأتي إحياء المناسبة هذا العام تحت شعار “إلى أن يأمن الجميع”، بالتزامن مع مرور 75 عاماً على اعتماد اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، الاتفاقية التي شكلت الأساس القانوني الدولي لحماية الأشخاص الفارين من الخطر.
وفي لحظة تتزايد فيها أعداد النازحين عالمياً، تحاول الأمم المتحدة إعادة تأكيد الرسالة التي قامت عليها منظومة اللجوء منذ نشأتها: أن الأمان يجب ألا يكون امتيازاً، وأن فقدان الإنسان لحماية دولته لا يعني فقدانه الحق في الحماية.
أرقام مقلقة
بحسب أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ظل 117.3 مليون شخص حول العالم بحلول منتصف عام 2025 في عداد النازحين قسراً.
تشمل هذه الفئة الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة أماكن إقامتهم نتيجة الاضطهاد أو النزاع أو العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الوقائع التي تخل إخلالاً جسيماً بالنظام العام.
وتوضح الأمم المتحدة أن استمرار ارتفاع الأعداد يعكس اتساع نطاق الأزمات الإنسانية وتداخلها، إذ لم تعد موجات النزوح مرتبطة بمنطقة واحدة أو بنوع واحد من الصراعات.
اليوم العالمي للاجئين
لم يظهر اليوم العالمي للاجئين بصورته الحالية منذ البداية، ففي السابق كان يعرف باسم “يوم اللاجئين في إفريقيا”، قبل أن تعتمد الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2000 قراراً بتحويله إلى مناسبة عالمية.
وفي 20 يونيو 2001، أُحيي اليوم العالمي للاجئين للمرة الأولى بالتزامن مع مرور خمسين عاماً على اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين.
ووفق الأمم المتحدة، فإن الهدف من هذا اليوم لا يقتصر على التوعية بحجم الأزمة، بل يشمل تكريم اللاجئين، وتعزيز التضامن معهم، والتذكير بالالتزامات الدولية المتعلقة بالحماية.
كما يمثل مناسبة لإبراز قدرة الأشخاص الذين أُجبروا على النزوح على إعادة بناء حياتهم رغم الظروف القاسية.
الإطار القانوني لحماية اللاجئين
جاءت اتفاقية اللاجئين بعد الحرب العالمية الثانية في ظل الحاجة إلى وضع إطار قانوني ينظم حماية الأشخاص الذين فقدوا أوطانهم أو تعذر عليهم العودة إليها.
وتعرف الاتفاقية اللاجئ بأنه الشخص الموجود خارج بلده نتيجة خوف مبرر من الاضطهاد بسبب العرق أو الدين أو الجنسية أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة أو الرأي السياسي.
وأقرت مجموعة من الحقوق الأساسية، منها الحماية من الإعادة القسرية، والحق في العمل والتعليم والسكن، والحصول على الإغاثة والمساعدة العامة، وحرية التنقل، والحصول على وثائق الهوية والسفر.
وتؤكد الأمم المتحدة أن بعض هذه الحقوق تنطبق على جميع اللاجئين بمجرد حصولهم على الحماية، في حين تتوسع حقوق أخرى بحسب مدة الإقامة في الدولة المضيفة.
فئات متعددة
لا يقتصر النزوح القسري على اللاجئين وحدهم، فإلى جانبهم يوجد طالبو اللجوء، وهم الأشخاص الذين لم يُبت بعد في طلبات حصولهم على الحماية الدولية.
ويوجد النازحون داخلياً، وهم الأشخاص الذين أُجبروا على ترك منازلهم لكنهم لم يعبروا حدود دولهم.
وتشمل الفئات أيضاً عديمي الجنسية الذين لا تعترف بهم أي دولة بوصفهم مواطنين لديها، إضافة إلى العائدين الذين يقررون العودة طوعاً إلى أوطانهم بعد اللجوء.
وتشدد الأمم المتحدة على ضرورة التمييز بين اللاجئين والمهاجرين، إذ يغادر المهاجرون غالباً بحثاً عن فرص فضلى، في حين يضطر اللاجئون إلى المغادرة حفاظاً على حياتهم أو حرياتهم.
العبء الأكبر
تظهر بيانات المفوضية أن استضافة اللاجئين لا تتركز في الدول الأعلى دخلاً كما قد يُعتقد، فبحلول منتصف عام 2025، استضافت البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل 71% من لاجئي العالم وغيرهم من الأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية.
ووفرت أقل البلدان نمواً اللجوء لما نسبته 25% من إجمالي هؤلاء الأشخاص.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الجزء الأكبر من مسؤولية الاستضافة يقع على دول تواجه في الأصل تحديات اقتصادية وتنموية.
ولم تعد النزاعات وحدها العامل المحدد لتجارب النزوح، فبحسب البيانات الأممية، يعيش ثلاثة من كل أربعة لاجئين أو نازحين بسبب النزاع في بلدان تواجه مستويات مرتفعة للغاية من الأخطار المرتبطة بالمناخ.
وتحذر الأمم المتحدة من أن هذا التداخل بين النزاعات والضغوط المناخية يضاعف المخاطر التي يتعرض لها الأشخاص الذين أُجبروا أصلاً على الفرار.
رسالة عام 2026
اختارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين شعار “إلى أن يأمن الجميع” لليوم العالمي للاجئين لعام 2026، وتقول الأمم المتحدة إن الشعار يعكس الدعوة إلى الحفاظ على نظم لجوء عادلة ومتاحة، ومواصلة التمويل الإنساني، وتعزيز استقبال الأشخاص الفارين من النزاعات.
ويركز اليوم العالمي للاجئين على مبدأ أن الحق في الأمان ينبغي ألا يرتبط بالجنسية أو الثروة أو العرق أو الدين أو الجنس أو الرأي السياسي أو وضع الهجرة.
وبعد 75 عاماً على اتفاقية اللاجئين، يبقى هذا اليوم مناسبة لتجديد الالتزام الدولي بحماية الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار، إلى أن يأمن الجميع.
