منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين المرض والعزل وتأخير الإفراج.. ملف السجون التركية يعود إلى الواجهة الدولية

03 أغسطس 2026
نقل بعض السجينات في تركيا
نقل بعض السجينات في تركيا

كشف تقرير حقوقي نصف سنوي عن استمرار تصاعد الانتقادات بشأن أوضاع السجون في تركيا خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يونيو 2026، بعدما رصدت منظمات حقوقية محلية ما وصفته بانتهاكات متعددة داخل 112 سجناً في مختلف أنحاء البلاد، شملت العزل المشدد، والقيود على الرعاية الصحية، وصعوبات التواصل مع العائلات والمحامين، إضافة إلى إجراءات إدارية أثرت في فرص الإفراج عن بعض السجناء.

وأعلنت جمعية الحقوقيين من أجل الحرية واتحاد جمعيات الدعم القانوني لأسر المعتقلين والسجناء MED TUHAD-FED نتائج التقرير خلال مؤتمر صحفي عقد في مقر الاتحاد، وفق ما نقلته المؤسسات الحقوقية المشاركة، حيث أكد عضو الهيئة المركزية في جمعية الحقوقيين من أجل الحرية شمدين شاهين أن الانتهاكات التي سجلها التقرير لا تمثل حالات فردية، وإنما تعكس، بحسب تقييم الجمعية، مشكلات مستمرة داخل نظام إدارة السجون وآليات تنفيذ العقوبات في تركيا.

112 سجناً تحت الرصد

أوضح تقرير جمعية الحقوقيين من أجل الحرية واتحاد MED TUHAD-FED أن فرق الرصد تابعت أوضاع 112 سجناً خلال النصف الأول من عام 2026، وسجلت شكاوى مرتبطة بالمعاملة داخل أماكن الاحتجاز، وحقوق السجناء في الحصول على الرعاية الصحية، وظروف الاحتجاز، والقيود المفروضة على وسائل التواصل والثقافة.

وأكدت الجمعية أن أبرز الملفات التي ركز عليها التقرير تمثلت في نظام العزل داخل السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة، وخصوصاً السجون التي تعتمد نمط الاحتجاز عالي الحماية، معتبرة أن هذا النظام أدى إلى زيادة الضغوط النفسية والاجتماعية على بعض المعتقلين بسبب تقليص التفاعل مع العالم الخارجي.

وفي المقابل، تؤكد وزارة العدل التركية في بياناتها الرسمية أن نظام السجون يخضع للقوانين الوطنية والمعايير الدولية، وأن إدارة المؤسسات العقابية تعمل على توفير الرعاية الصحية والخدمات الأساسية للمحتجزين وفق التشريعات النافذة في تركيا.

العزل وحق التواصل

أشار تقرير جمعية الحقوقيين من أجل الحرية إلى أن سياسات العزل تمثل أحد أبرز مصادر القلق الحقوقي، خصوصاً فيما يتعلق بالمعتقلين المحتجزين في ظروف أمنية مشددة. وقال شمدين شاهين إن نموذج العزل الذي بدأ بشكل بارز في سجن جزيرة إمرالي توسع لاحقاً في عدد من المؤسسات العقابية ذات الإجراءات الخاصة، ما أدى إلى فرض قيود وصفها التقرير بأنها تؤثر في الحقوق الاجتماعية والنفسية للمعتقلين.

وتتعلق هذه القضية أيضاً بقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2013 بشأن ما يعرف بـ”حق الأمل” بالنسبة للسجناء المحكوم عليهم بعقوبات طويلة الأمد، حيث أكدت المحكمة أهمية وجود إمكانية قانونية لمراجعة العقوبة وإتاحة فرصة لإعادة الاندماج الاجتماعي وفق معايير محددة.

وأكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في أحكامها المتعلقة بظروف الاحتجاز أن الدول الأوروبية، ومنها تركيا باعتبارها عضواً في مجلس أوروبا، مطالبة بضمان عدم تعرض المحتجزين لمعاملة غير إنسانية أو مهينة، واحترام الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

الرعاية الصحية للسجناء المرضى

ركز التقرير الحقوقي على أوضاع السجناء المرضى، مشيراً إلى وجود شكاوى تتعلق بتأخر نقل بعض المحتجزين إلى المستشفيات، وإجراء الفحوص الطبية في ظروف اعتبرتها الجمعية غير مناسبة، إضافة إلى الانتقادات الموجهة إلى بعض التقارير الطبية الصادرة عن مؤسسات الطب الشرعي.

وقالت جمعية الحقوقيين من أجل الحرية إن السجناء الذين يعانون أمراضاً خطيرة يحتاجون إلى إجراءات أكثر سرعة وشفافية لضمان حصولهم على العلاج المناسب، معتبرة أن استمرار احتجاز بعض المرضى يثير مخاوف مرتبطة بالحق في الحياة والصحة.

وتشير قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، إلى ضرورة توفير خدمات صحية مكافئة لتلك المتاحة خارج السجون، وضمان استقلالية العاملين في المجال الطبي عن السلطات العقابية عند تقييم الحالات الصحية.

إجراءات الإفراج تحت الجدل

أوضح تقرير MED TUHAD-FED أن لجان الإدارة والمراقبة داخل السجون في تركيا أصبحت من أبرز الملفات المثيرة للجدل، بعدما اتهمتها الجمعية باستخدام معايير غير واضحة عند تقييم أهلية بعض السجناء للإفراج بعد انتهاء مددهم القانونية.

وأشار التقرير إلى أن بعض القرارات ارتبطت بمفهوم “عدم إظهار الندم”، وهو معيار تعده منظمات حقوقية غير محدد بما يكفي، وقد يؤدي إلى استمرار احتجاز أشخاص بعد انتهاء العقوبة الأصلية.

وتؤكد السلطات التركية أن لجان الإدارة والمراقبة تعمل وفق القوانين بهدف تقييم سلوك السجناء وضمان إعادة اندماجهم في المجتمع، وأن قراراتها تخضع للأنظمة القضائية والإدارية المعمول بها.

النساء والمعتقلون السياسيون

تطرق تقرير جمعية الحقوقيين من أجل الحرية إلى أوضاع السجينات، مشيراً إلى وجود شكاوى تتعلق بصعوبة الحصول على بعض المستلزمات الصحية، والقيود المرتبطة بالتواصل مع الأطفال والعائلات، إضافة إلى تحديات خاصة تواجه النساء المحتجزات.

كما تناول التقرير القيود المتعلقة بدخول الكتب والصحف والمواد الإعلامية، خصوصاً المنشورات باللغة الكردية ووسائل الإعلام المعارضة، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل تضييقاً على حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.

وأكدت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في تقارير سابقة حول تركيا أهمية حماية حرية التعبير داخل السجون وخارجها، وضرورة ضمان عدم استخدام القيود الإدارية بوصفها وسيلة لمعاقبة المحتجزين بسبب آرائهم أو هويتهم الثقافية.

ارتبط ملف السجون في تركيا خلال السنوات الماضية بقضايا الاعتقالات السياسية وحرية التعبير، خصوصاً بعد محاولة الانقلاب عام 2016 التي أعقبتها حملة اعتقالات واسعة وإجراءات طوارئ أثارت انتقادات من منظمات حقوقية دولية.

المتابعة الأممية

قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقاريرها السابقة إن وضع حقوق الإنسان في تركيا يحتاج إلى متابعة مستمرة، خصوصاً في الملفات المرتبطة باستقلال القضاء، وحرية التعبير، وظروف الاحتجاز، وضمانات المحاكمات العادلة. وأكدت المفوضية أن احترام الحقوق الأساسية للأشخاص المحرومين من الحرية يمثل التزاماً قانونياً على الدول بموجب المعاهدات الدولية، مشددة على ضرورة ضمان حصول المحتجزين على المعاملة الإنسانية والرعاية الصحية والضمانات القانونية اللازمة.

وأوضحت المفوضية في تقاريرها المتعلقة بتركيا خلال السنوات الماضية أن حالة الطوارئ التي أعقبت محاولة الانقلاب عام 2016 خلفت آثاراً واسعة في منظومة العدالة وحقوق الإنسان، بعد صدور قرارات فصل واعتقالات واسعة طالت آلاف الأشخاص من قطاعات مختلفة، بينهم موظفون حكوميون وأكاديميون وصحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان. وأشارت المفوضية إلى أن بعض الإجراءات الاستثنائية أثارت مخاوف بشأن التناسب بين التدابير الأمنية والحقوق والحريات الأساسية.

وأكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن استقلال القضاء يمثل عنصراً أساسياً لضمان المحاكمات العادلة، داعية إلى توفير ضمانات تمنع التدخلات السياسية في عمل المؤسسات القضائية، وضمان حصول جميع المتهمين والمحتجزين على حق الدفاع والاستعانة بمحامين ومراجعة القرارات القضائية وفق معايير عادلة وشفافة.

وفي ملف السجون، شددت المفوضية على أهمية التزام تركيا بقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، والتي تنص على حماية كرامة المحتجزين، وتوفير الرعاية الطبية المناسبة، ومنع أي شكل من أشكال التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. كما أكدت أن القيود المفروضة على التواصل مع العالم الخارجي، ومنها الزيارات العائلية أو الحصول على المعلومات، يجب أن تكون محددة قانونياً وضرورية ومتناسبة مع الهدف الأمني المعلن.

وأضافت المفوضية أن حرية التعبير ما زالت من الملفات التي تحظى باهتمام دولي في تركيا، خصوصاً مع استمرار قضايا ملاحقة صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان على خلفية منشورات أو تصريحات اعتبرتها السلطات مخالفة للقانون. وطالبت الأمم المتحدة مراراً بضمان عدم استخدام القوانين المتعلقة بالأمن ومكافحة الإرهاب لتقييد العمل الصحفي أو إسكات الأصوات المعارضة.

وفي سياق متصل، تابعت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة التابعة لمجلس أوروبا أوضاع أماكن الاحتجاز في تركيا، وقدمت توصيات تتعلق بتحسين ظروف السجون وتعزيز الرقابة المستقلة على المؤسسات العقابية. كما أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عدد من أحكامها المتعلقة بتركيا ضرورة احترام الحق في الحرية والأمن الشخصي، وضمان عدم تعرض المحتجزين لظروف احتجاز تخالف المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان.

التزامات وحقوق

تخضع أوضاع السجون في تركيا إلى مجموعة من القوانين الوطنية، إضافة إلى التزامات دولية باعتبار تركيا طرفاً في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتلزم هذه المواثيق الدول بضمان معاملة إنسانية للمحتجزين، وحماية حقهم في الصحة، ومنع التعذيب أو أي معاملة قاسية أو مهينة.

وشهد نظام السجون التركي توسعاً كبيراً خلال العقود الأخيرة، مع بناء مؤسسات عقابية جديدة وتغيير نماذج الاحتجاز، خصوصاً بعد عام 2016، وبينما تؤكد الحكومة التركية أن هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز الأمن وإدارة السجون وفق المعايير الحديثة، تستمر المنظمات الحقوقية المحلية والدولية في المطالبة بمزيد من الشفافية، وتحسين الرقابة المستقلة، وضمان حصول جميع السجناء على حقوقهم الأساسية.

ويضع تقرير النصف الأول من عام 2026 ملف السجون التركية أمام نقاش حقوقي جديد، حيث تتركز المطالب على ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الالتزامات القانونية والإنسانية تجاه الأشخاص المحرومين من الحرية.