كل 21 يوماً، لا يعني موعد العلاج الكيميائي بالنسبة إلى إبتسام جلسة جديدة لمواجهة السرطان فقط، بل بحث مجدداً عن المال اللازم لاستكمالها.
نزحت إبتسام من النبطية إلى بيروت وفقدت مصدر دخلها، وبينما تؤمّن وزارة الصحة اللبنانية علاجها، تقول إن رحلة العلاج تترك عليها نفقات أخرى لا تستطيع تحملها بسهولة، فكلفة الجلسة تصل إلى نحو 600 دولار، بينها 350 دولاراً لمحلول العلاج، في حين تبقى تكاليف مرتبطة بالمستشفى وأتعاب الطبيب جزءاً من الفاتورة.
وتروي إبتسام، في شهادة نشرتها منصة “درج”، أن المستشفى طلب منها 100 دولار والطبيب 70 دولاراً، متسائلة كيف يمكن لنازحة بلا عمل أن تؤمن هذه المبالغ، في حين تعتمد على المساعدات.
تكشف تجربتها فجوة لا تتعلق دائماً بتوافر العلاج نفسه، بل بقدرة المريض على دفع بقية كلفة الوصول إليه والاستمرار فيه، في بلد ارتفعت فيه حصة الإنفاق الصحي المباشر من جيوب الأسر بصورة حادة خلال سنوات الأزمة الاقتصادية.
ولا تبدو إبتسام حالة منفردة، فغزالة نداف البالغة 67 عاماً، نزحت من جنوب لبنان بعدما فقدت عملها، وهي مصابة بالسرطان النخاعي المتعدد. وفي تصريح سابق لغزالة نقلته “رويترز” قالت إنها تحتاج إلى فحص دم كل ثلاثة أشهر تبلغ كلفته نحو 100 دولار، وكانت تجمع المبلغ من هنا وهناك لإجرائه، في حين تحتاج إلى عملية زرع نخاع عظمي تقدر كلفتها بنحو 50 ألف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرتها المالية.
وبالنسبة إلى مرضى الأمراض المزمنة والمستعصية، يمكن بذلك أن يصبح فقدان الدخل أو النزوح عاملاً يهدد استمرارية العلاج حتى عندما تتوافر بعض أشكال الدعم أو التغطية الصحية.

85 % من الإنفاق الصحي من جيوب الأسر
تضع بيانات حديثة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” هذه الحالات ضمن أزمة أوسع في القدرة على تحمل كلفة الرعاية الصحية، ففي مذكرة نشرتها المنظمة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قالت إن أكثر من نصف السكان يفتقرون إلى تغطية صحية رسمية، في حين ارتفعت المدفوعات الصحية المباشرة من جيوب الأسر من 33% من الإنفاق الصحي عام 2018 إلى أكثر من 85% عام 2022.
وتقدر اليونيسف أن 82% من السكان يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، وأن النفقات الصحية تسهم بنحو 30% من هذا الحرمان، في حين يحرم نحو ثلث السكان من الرعاية الصحية. وشكلت الأدوية وحدها 57% من إجمالي الإنفاق الصحي عام 2020.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية بدورها أن الأزمات المتراكمة دفعت نحو 85% من اللبنانيين إلى دفع تكاليف الرعاية الصحية من جيوبهم، محذرة من أثر الضائقة المالية في الفئات الأكثر هشاشة. وتشير استراتيجية التعاون بين المنظمة ولبنان للفترة 2026-2029 إلى أن مرضى باتوا يؤخرون دخول المستشفيات بسبب عدم قدرتهم على الدفع، في حين انخفض عدد حالات الاستشفاء للبنانيين التي غطتها وزارة الصحة بأكثر من 50% بين عامي 2018 و2023.
ولا تعني هذه الأرقام أن كل مريض يتحمل كامل كلفة علاجه، لكنها تكشف حجم الاعتماد على الدفع المباشر في نظام صحي يواجه ضغوطاً تمويلية كبيرة.

حين ينافس العلاج احتياجات الأسرة
يرى المحلل الاقتصادي حسام عايش أن الانهيار الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية للأسر اللبنانية جعلا كلفة العلاج عبئاً متزايداً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الأدوية والفحوصات والخدمات الطبية وعدم مواكبة الدخول لهذه الزيادات.
ويقول عايش لـ”صفر” إن اعتماد جزء كبير من الإنفاق الصحي على الدفع المباشر من جيوب الأسر يجعل المرض أكثر كلفة على محدودي الدخل، وقد يدفع بعضهم إلى تأجيل الفحوصات أو تقليص الأدوية أو الاعتماد على المساعدات.
وبحسب عايش قد يتحول العلاج من حق صحي إلى عبء مالي ينافس الاحتياجات الأساسية للأسرة.
الوزارة: غير المضمونين مشمولون بالتغطية
في المقابل، أوضحت وزارة الصحة اللبنانية لـ”صفر” أن المواطن اللبناني الذي لا يستفيد من أي جهة ضامنة أخرى يحق له العلاج على نفقة الوزارة في المستشفيات، ولا سيما الحكومية.
وقالت الوزارة إنه بعد قرار أصدره وزير الصحة في أواخر مارس/آذار خلال فترة الحرب، أصبح بإمكان اللبنانيين، ومنهم النازحون، العلاج في المستشفيات الحكومية على نفقة الوزارة بنسبة 100%، من دون أن تترتب عليهم مبالغ إضافية ضمن نطاق الخدمات التي يشملها القرار.
وتؤكد الوزارة أن هذه التغطية تتيح لغير المضمونين الحصول على العلاج في المستشفيات الحكومية من دون تحميلهم فروقات ضمن نطاق التغطية المقررة.
لكن تجربة ابتسام تكشف أن تغطية العلاج لا تعني بالضرورة تغطية رحلة العلاج كاملة؛ فقد تبقى على المريض كلفة الطبيب أو الفحوصات أو الأدوية أو خدمات أخرى لا تدخل ضمن التغطية نفسها.
وتظهر الفجوة أيضاً في تجربة أسرة لبنانية وثقتها اليونيسف، بعدما احتاج توأمان ولدا قبل أوانهما إلى أكثر من 80 يوماً من الرعاية في المستشفى. وبلغت إسهامات الأسرة في فاتورة الاستشفاء بين 20 و30%، وهي كلفة قالت والدتهما إن الأسرة لم تكن قادرة على تحملها، خصوصاً مع اعتماد دخلها على عمل الأب سائقاً لسيارة أجرة.
وتدخلت اليونيسف لتغطية إسهامات الأسرة ضمن برنامج لدعم الأطفال الأكثر هشاشة.

الحق في العلاج أبعد من وجود التغطية
يرى الأكاديمي في القانون العام وحقوق الإنسان المحامي أحمد حمدي أن المشكلة لا تقف عند حجم الفاتورة، بل تمتد إلى قدرة النظام الصحي على ضمان المساواة في الوصول إلى العلاج.
ويقول حمدي لـ”صفر” إن الإطار القانوني اللبناني، رغم وجود نصوص تنظم التغطية الصحية وحقوق المرضى، لا يضمن عملياً وصول الجميع إلى الرعاية دون تمييز، معتبراً أن تجزؤ النظام يخلق تفاوتاً بين القادرين مالياً أو المشمولين بصناديق ونقابات ذات تغطية أقوى وبين بقية المواطنين والمقيمين.
ويربط حمدي ذلك بالتزامات لبنان بموجب المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تقر الحق في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة.
وتعتبر لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الوصول إلى الرعاية يجب أن يكون متاحاً دون تمييز، وأن تشمل الإتاحة قدرة الناس على تحمل كلفة الخدمات، بحيث لا يقع على الأسر الفقيرة عبء صحي غير متناسب، مؤكدة أن تقديم القطاع الخاص جزءاً كبيراً من الخدمات الصحية لا يعفي الدولة من مسؤوليتها عن ضمان الوصول إلى الرعاية.
عندما لا تكفي التغطية
لا يفتقر لبنان إلى برامج للتغطية الصحية، وتؤكد وزارة الصحة أن غير المضمونين يستطيعون تلقي العلاج على نفقتها ضمن الخدمات المشمولة في المستشفيات الحكومية.
لكن أرقام اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية وتجارب المرضى تكشف جانباً آخر من الأزمة؛ فالفاتورة التي تبقى بعد التغطية، من دواء أو فحص أو أتعاب أو خدمة لا يشملها الدعم، قد تكون كافية لتأجيل العلاج أو البحث عن المساعدة لتوفيره.
بالنسبة إلى غزالة، قد يعني ذلك جمع 100 دولار كل ثلاثة أشهر لإجراء فحص تحتاج إليه، وبالنسبة إلى أسرة التوأمين، كانت حصة من فاتورة المستشفى أكبر من قدرتها. أما إبتسام، فيعود موعدها كل 21 يوماً، ومعه لا تعود فقط إلى جلسة العلاج، بل إلى السؤال نفسه: من أين تؤمّن ما تبقى من كلفتها؟ فالحق في الصحة لا يتحقق بمجرد وجود علاج أو قرار بالتغطية، بل عندما يستطيع المريض الوصول إليه والاستمرار فيه من دون أن يصبح عجزه عن الدفع حاجزاً بينه وبين الرعاية التي يحتاج إليها.
