شهدت مدينة إزمير التركية تطوراً سياسياً وقضائياً بارزاً بعد توقيف عمدة المدينة فاطمة كابلان حريت وزوجها خلال عملية أمنية استهدفت مقر البلدية، في إطار تحقيقات تتعلق بجرائم فساد مزعومة شملت شبهات الرشوة والتلاعب في عقود المشتريات العامة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه السلطات التركية توسيع نطاق التحقيقات التي طالت عدداً من المسؤولين والموظفين في البلديات.
وذكرت وكالة الأناضول التركية للأنباء أن قوات الأمن نفذت مداهمة لمبنى إدارة بلدية إزمير، وألقت القبض على العمدة فاطمة كابلان حريت وزوجها، بالتزامن مع إصدار ثلاثين مذكرة توقيف بحق أشخاص آخرين على صلة بالتحقيق. وأشارت الوكالة إلى أن النيابة وجهت للمشتبه بهم اتهامات بتشكيل منظمة إجرامية، وقبول رشاوى، والتلاعب في عطاءات المشتريات العامة.
تحقيقات موسعة
وسعت السلطات نطاق العمليات الأمنية لتشمل مدناً أخرى، حيث نفذت مداهمات متزامنة في أنطاليا وقرق قلعة وإسطنبول وأنقرة، في إطار التحقيق نفسه، وتركز الجهات المختصة على مراجعة عقود المشتريات الخاصة ببلدية إزمير، بعد ظهور شبهات تتعلق بوجود محاباة ومخالفات في إجراءات إرساء عدد من العقود.
وأفادت المعلومات المتداولة بأن التحقيق انطلق بعد تلقي السلطات التركية إفادات من شهود، قدموا معلومات تتعلق بطريقة إدارة بعض المناقصات وآليات منح العقود داخل البلدية، وهو ما دفع جهات التحقيق إلى فتح ملف موسع لفحص الوثائق والإجراءات الإدارية المرتبطة بهذه العقود.
اتهامات قيد التحقيق
تركز النيابة العامة على التحقق من مدى صحة الاتهامات المرتبطة بوجود شبكة منظمة يشتبه في تورطها في التأثير في إجراءات التعاقدات الحكومية داخل البلدية. كما تعمل فرق التحقيق على مراجعة السجلات المالية والإدارية، والاستماع إلى أقوال المشتبه بهم والشهود، قبل اتخاذ أي إجراءات قضائية لاحقة.
ولا تعني هذه الاتهامات صدور إدانة بحق الموقوفين، إذ تستمر التحقيقات وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، في حين ينتظر القضاء استكمال جمع الأدلة وتقييمها قبل الفصل في القضية.
موقف العمدة
ظهرت فاطمة كابلان حريت في مقطع فيديو سجل خلال احتجازها، وأكدت أنها لم ترتكب أي مخالفة، ونفت صحة الاتهامات الموجهة إليها. ومن المتوقع أن تستكمل الجهات القضائية جلسات الاستماع خلال الأيام المقبلة، مع استمرار فحص المستندات والملفات التي صادرتها السلطات خلال المداهمات.
وتحظى قضية توقيف عمدة إزمير باهتمام واسع داخل الأوساط السياسية في تركيا، نظراً إلى المكانة السياسية التي تشغلها حريت، ولارتباط القضية بإحدى كبريات البلديات في البلاد.
أبعاد سياسية
تنتمي فاطمة كابلان حريت إلى حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، وحققت فوزاً في انتخابات الإدارة المحلية عام 2019 بعد تغلبها على مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم، ثم احتفظت بمنصبها بعد إعادة انتخابها في الانتخابات المحلية التي جرت عام 2024.
وأثار توقيفها اهتماماً سياسياً وإعلامياً كبيراً، في ظل استمرار المنافسة بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة على إدارة البلديات الكبرى التي تمثل مراكز سياسية واقتصادية مهمة داخل تركيا.
وتنتظر الأوساط السياسية والقانونية نتائج التحقيقات لمعرفة ما إذا كانت النيابة ستوجه لوائح اتهام رسمية بحق جميع الموقوفين، أو ستكتفي بالإفراج عن بعضهم إذا لم تتوافر أدلة كافية تدعم الاتهامات. كما يترقب الرأي العام ما ستسفر عنه التحقيقات بشأن طبيعة المخالفات التي تشتبه السلطات في وقوعها داخل منظومة المشتريات البلدية.
تعد بلدية إزمير من كبريات البلديات في تركيا، وتحظى بثقل اقتصادي وسياسي كبير باعتبارها تدير ثالث أكبر مدينة في البلاد من حيث عدد السكان، ويمثل حزب الشعب الجمهوري القوة السياسية الرئيسية في المدينة منذ سنوات، في حين تشهد البلديات التركية رقابة مالية وإدارية دورية تشمل مراجعة عقود المشتريات والمناقصات العامة.
وتسمح القوانين التركية للنيابة العامة بفتح تحقيقات في قضايا الفساد الإداري والمالي عند توافر بلاغات أو معلومات أولية، مع ضمان حق المتهمين في الدفاع عن أنفسهم أمام القضاء حتى صدور الأحكام النهائية.
