منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق الدستوري في عدم تجريم الذات يجسد إخفاق المجتمع في الوصول إلى حقيقة

30 يوليو 2026
الدكتور أنتونى فاوتشي، خبير الأمراض المعدية والمستشار الطبي للرئيس الأميركي السابق جو بايدن
الدكتور أنتونى فاوتشي، خبير الأمراض المعدية والمستشار الطبي للرئيس الأميركي السابق جو بايدن

كان الشعور بالوحدة الذي جمع كثيراً من الأمريكيين خلال الأيام الأولى من جائحة كوفيد-19 قد أصبح ذكرى بعيدة بحلول يوم الأربعاء، فمع استمرار مسؤولي الصحة العامة في إصدار الإجراءات الإلزامية، سرعان ما أصبحت استجابة الحكومة للجائحة قضية مثيرة للاستقطاب، ويجسد أحدث مشهد شهدته أروقة الكابيتول كيف ترك هذا الصراع السياسي البلاد أقل استعداداً لمواجهة جائحة مستقبلية.

رفض أنتوني إس. فاوتشي الإجابة عن أي أسئلة تتعلق بمنشأ فيروس كوفيد-19 أثناء الإدلاء بشهادته أمام لجنة في مجلس الشيوخ، وتمسك بحقه المكفول بموجب التعديل الخامس للدستور الأمريكي في عدم تجريم نفسه، مستنداً إلى هذا الحق 111 مرة.

وكان الرئيس جو بايدن قد أصدر عفواً استباقياً عن فاوتشي، في حين التزم المسؤول الحكومي المتقاعد بنصيحة محاميه بعدم الإدلاء بأي إفادة، تجنباً لاحتمال تعريض نفسه لتهمة الإدلاء بشهادة زور.

لكن من المؤسف حقاً أن البلاد لم تتمكن من إجراء نقاش صريح، في ضوء ما أصبح معروفاً بعد مرور السنوات، بشأن الأخطاء العديدة التي ارتُكبت قبل ستة أعوام، فالولايات المتحدة لم تواجه بصورة كاملة أسباب جائحة كوفيد-19 وتداعياتها.

وكان عضو مجلس الشيوخ راند بول، الجمهوري عن ولاية كنتاكي الذي قاد تحقيق المجلس بشأن فاوتشي، قد كرر مراراً رغبته في سجن المسؤول الصحي السابق، كما قال وزير الصحة روبرت إف. كينيدي الابن خلال مقابلة هذا الأسبوع: “إذا كذب مرة أخرى، فقد يواجه ملاحقة بتهمة الحنث باليمين.”

وتأخر فاوتشي، لفترة طويلة، في إصدار إرشادات تدعم إعادة فتح المدارس، وهو ما تسبب في اضطراب العملية التعليمية لملايين الأطفال، كما تأخر في قبول الأدلة العلمية التي أثبتت أن فيروس كورونا ينتقل عبر الرذاذ المحمول في الهواء، الأمر الذي حدّ من فاعلية استراتيجيات الحماية.

وتكشف يوميات نُشرت حديثاً أن فاوتشي كان منشغلاً بنفسه، وأنه كان يعبّر في أحاديثه الخاصة عن آراء تختلف أحياناً عما كان يعلنه للرأي العام، لكن، ورغم أن توجيه الانتقادات إلى فاوتشي أمر مشروع، فإن محاولة ابتكار وسائل جديدة لملاحقته قضائياً تمثل أمراً مختلفاً تماماً.

ويهدد راند بول الآن باتخاذ إجراءات لاتهام فاوتشي بازدراء الكونغرس بسبب تمسكه بحقوقه الدستورية.

وخلال كلمته الافتتاحية في جلسة الاستماع يوم الأربعاء، كرر بول اتهاماته بأن فاوتشي أخفى حقيقة منشأ فيروس كورونا الذي يعتقد عضو مجلس الشيوخ أنه على الأرجح تسرب من مختبر في مدينة ووهان الصينية.

وكان المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية الذي ترأسه فاوتشي لعقود، قد قدم تمويلاً لذلك المختبر عبر منظمة إيكو هيلث ألاينس.

وطالما جادل بول بأن الباحثين في ذلك المختبر عدّلوا فيروسات كورونا لجعلها أكثر قدرة على الانتقال إلى البشر، في حين يُعرف بأبحاث “اكتساب الوظيفة”.

وكان فاوتشي قد نفى هذه المزاعم تحت القسم عام 2021، وهو ما أدى إلى اتهامه لاحقاً بالإدلاء بشهادة زور.

وفي عام 2021 سعت مجموعة من أعضاء الكونغرس من الحزبين إلى إنشاء لجنة مستقلة للتحقيق في الأزمة، إلا أن هذه المحاولة تعثرت بسبب حالة الجمود السياسي.

وكان من الممكن لتلك اللجنة التي كان من المقرر أن تُصمم على غرار لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر، أن تجمع سجلاً أكثر حسماً وغير حزبي للحقائق المتعلقة بمنشأ الفيروس، والأهم من ذلك، كان بإمكانها تقييم أوجه القصور في استجابة الحكومة للجائحة.

وأدى الإخفاق في إجراء هذا النوع من الرقابة إلى إهدار فرصة ثمينة لاستخلاص الدروس وتعزيز قدرة الولايات المتحدة على مواجهة أي مسببات أمراض قاتلة قد تظهر في المستقبل.

نقلاً عن واشنطن بوست