كشف تقرير جديد لهيئة الأمم المتحدة للمرأة عن تحول لافت في أنماط الهجرة داخل أوروبا وآسيا الوسطى، بعدما أصبحت النساء يشكلن 54 بالمئة من إجمالي المهاجرين في المنطقة، في مؤشر يعكس تغيراً متسارعاً في دوافع الهجرة وطبيعة الفئات التي تقودها.
وأوضح التقرير أن أعداداً متزايدة من النساء تتخذ قرار الهجرة بصورة مستقلة سعياً إلى فرص فضلى في التعليم والعمل والأمان والاستقرار الاقتصادي، بعيداً عن الصورة التقليدية التي ارتبطت بهجرة النساء ضمن الأسر أو بصحبة أحد أفراد العائلة.
وأوضح التقرير الذي نشرته هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن هذا التحول يعكس تغيرات اجتماعية واقتصادية عميقة تشهدها المنطقة، حيث لم تعد النساء يهاجرن باعتبارهن مرافقات لأفراد الأسرة فقط، بل أصبحن فاعلات رئيسيات في قرارات الهجرة، مدفوعات بالرغبة في تحسين أوضاعهن المعيشية وبناء مستقبل أكثر استقراراً لهن ولأسرهن.
تحول في أنماط الهجرة
أكدت المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في أوروبا وآسيا الوسطى بيلين سانز لوكي أن الهجرة باتت تحمل وجهاً نسائياً بصورة واضحة، مشيرة إلى أن الوقت حان للاعتراف بهذا الواقع والعمل على صياغة سياسات تستجيب لاحتياجات النساء المهاجرات وظروفهن المختلفة.
ويرى التقرير أن النساء أصبحن أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة تتعلق بالانتقال إلى بلدان أخرى، سواء لمواصلة الدراسة أو الحصول على وظائف توفر دخلاً أفضل أو الهروب من النزاعات والأزمات الإنسانية، ويعكس هذا التوجه تحولاً في الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للمرأة داخل العديد من المجتمعات في أوروبا وآسيا الوسطى.
تأثير الأزمات والصراعات
ربط التقرير بين هذا التحول وبين التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا واستمرار الصراعات الإقليمية، إلى جانب التأثيرات المتزايدة للتغير المناخي، مثل الفيضانات وموجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، والتي دفعت أعداداً كبيرة من السكان إلى البحث عن أماكن أكثر أمناً واستقراراً.
وأوضح التقرير الأممي أن هذه الأزمات غيرت خريطة الهجرة بصورة ملحوظة، حيث اضطر كثير من النساء إلى تحمل مسؤولية الانتقال بمفردهن من أجل حماية أسرهن أو تأمين مصادر دخل جديدة، وهو ما جعل النساء يشكلن النسبة الكبرى من المهاجرين في عدد من الحالات الإنسانية التي شهدتها المنطقة.
فرص جديدة وتحديات مستمرة
وأشار التقرير إلى أن الهجرة فتحت أمام النساء فرصاً جديدة للحصول على التعليم والعمل وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، إلا أن الطريق لا يخلو من العقبات، وأوضح أن عدداً كبيراً من المهاجرات ذوات المؤهلات العلمية العالية لا يجدن فرص عمل تتناسب مع خبراتهن أو تخصصاتهن، الأمر الذي يدفع كثيرات إلى العمل في وظائف أقل من مؤهلاتهن.
وأضاف أن نسبة من النساء المهاجرات تتركز في قطاعات منخفضة الأجور وتفتقر إلى الحماية القانونية والاجتماعية الكافية، وهو ما يزيد احتمالات تعرضهن للاستغلال والانتهاكات والعنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في بيئات العمل غير المنظمة أو غير الرسمية.
الفئات الأكثر عرضة للمخاطر
لفت التقرير إلى أن النساء يتحملن أعباءً أكبر خلال فترات النزاعات والكوارث، كما يواجهن مخاطر متزايدة تتعلق بجرائم الاتجار بالبشر والاستغلال الاقتصادي والجنسي. وأكد أن النساء شكلن غالبية المهاجرين الذين وصلوا إلى دول الاتحاد الأوروبي قادمين من أوكرانيا ومولدوفا خلال الفترة بين عامي 2022 و2024، نتيجة تداعيات الحرب وما فرضته من ظروف إنسانية معقدة.
وأضاف أن النساء والفتيات مثلن أيضاً النسبة الكبرى من ضحايا الاتجار بالبشر الذين تمكنت السلطات من تحديد هوياتهم في عدد من دول أوروبا وآسيا الوسطى، وهو ما يعكس الحاجة إلى تعزيز الحماية القانونية والإنسانية لهذه الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
دعوة إلى سياسات أكثر شمولاً
دعت هيئة الأمم المتحدة للمرأة الحكومات إلى تطوير سياسات هجرة أكثر استجابة للمتغيرات الحالية، من خلال توسيع مسارات الهجرة الآمنة والمنظمة، وتعزيز حماية حقوق العمال المهاجرين، وتحسين آليات الاعتراف بالمؤهلات العلمية والمهنية، ما يتيح للنساء الحصول على فرص عمل تتناسب مع خبراتهن.
كما شددت الهيئة على أهمية إشراك النساء المهاجرات واللاجئات في عمليات صنع القرار المتعلقة بالسياسات التي تؤثر في حياتهن، مؤكدة أن مشاركتهن الفاعلة تسهم في صياغة حلول أكثر عدالة واستدامة، وتدعم جهود الاندماج داخل المجتمعات المستضيفة.
ويرى التقرير أن التعامل مع الهجرة من منظور يراعي الفوارق بين الجنسين يمثل ضرورة ملحة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، خاصة مع استمرار الأزمات الإنسانية والاقتصادية والبيئية التي تدفع مزيداً من النساء إلى البحث عن فرص جديدة خارج أوطانهن.
تشهد أوروبا وآسيا الوسطى منذ عدة سنوات تغيرات كبيرة في أنماط الهجرة نتيجة تداخل عوامل متعددة، تشمل النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية واتساع فجوات التنمية.
وأسهمت الحرب في أوكرانيا في واحدة من كبريات موجات النزوح والهجرة في القارة الأوروبية خلال العقود الأخيرة، حيث غادرت ملايين النساء والأطفال مناطق القتال بحثاً عن الأمان. وفي الوقت نفسه، دفعت التحديات الاقتصادية وتغيرات سوق العمل أعداداً متزايدة من النساء إلى الهجرة بصورة مستقلة، الأمر الذي جعل المنظمات الدولية تدعو إلى تبني سياسات هجرة أكثر شمولاً، تضمن الحماية القانونية والاجتماعية للمهاجرات، وتعزز فرص اندماجهن في أسواق العمل، وتحافظ على حقوقهن الأساسية في التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة المجتمعية.
