تتصاعد المخاوف الحقوقية في إيران مع تزايد وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع توتر الأوضاع الأمنية والسياسية وتفاقم المواجهات الإقليمية والدولية المحيطة بالبلاد.
وتقول منظمات حقوقية، منها منظمة حقوق الإنسان في إيران، إن السلطات الإيرانية تستخدم مناخ الأزمة والتصعيد العسكري لتشديد القبضة الأمنية، وتسريع تنفيذ أحكام الإعدام، خصوصاً بحق سجناء سياسيين ومعتقلين على خلفية الاحتجاجات.
وشهدت الأيام الأخيرة تنفيذ أحكام إعدام بحق 17 سجيناً في عدد من السجون الإيرانية، بينها قزل حصار في كرج، ولاكان في رشت، وعادل آباد في شيراز، وسجن تبريز المركزي، وسجن خرم آباد المركزي، وسجن ساري المركزي، وأصفهان.
وشملت الحالات المعلنة سجناء سياسيين ومعتقلين على خلفية احتجاجات، إلى جانب سجناء مدانين في قضايا غير سياسية وجرائم مرتبطة بالمخدرات، وشخص متهم بالتجسس لصالح إسرائيل.
قلق من تزايد الإعدامات
تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من القلق الحقوقي بشأن استخدام عقوبة الإعدام في إيران، فقد قالت منظمة حقوق الإنسان في إيران، ومقرها أوسلو، إن السلطات نفذت ما لا يقل عن 101 عملية إعدام في يونيو وحده، وأكثر من 370 إعداماً خلال النصف الأول من عام 2026، مشيرة إلى أن وتيرة الإعدامات تسارعت بعد موجة إعدامات طالت سجناء سياسيين منذ مارس الماضي.
كان من أبرز الحالات التي أثارت تنديداً حقوقياً تنفيذ حكم الإعدام بحق عارف خوشكار، وهو أحد المعتقلين المرتبطين باحتجاجات 2022، داخل سجن قزل حصار بمدينة كرج.
وقالت السلطات الإيرانية إن خوشكار أُدين بقتل أحد عناصر قوات الأمن خلال الاحتجاجات، فيما أوردت وكالة أسوشيتد برس أن تنفيذ الحكم يأتي ضمن أحدث الإعدامات المرتبطة بالاحتجاجات التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني في حجز شرطة الأخلاق عام 2022.
وتقول منظمات حقوقية إن ملف خوشكار شابه عدد من الانتهاكات، من بينها مزاعم التعذيب، وانتزاع اعترافات قسرية، والحرمان من محام يختاره، وغياب ضمانات المحاكمة العادلة.
وتشير هذه المنظمات إلى أن نقله إلى الحبس الانفرادي قبل تنفيذ الحكم كان مؤشراً على قرب الإعدام، وهي ممارسة تقول جماعات حقوقية إنها تتكرر في السجون الإيرانية قبل تنفيذ الأحكام.
احتجاجات يناير 2026
نُفذ حكم الإعدام بحق محمد أميني دهقاني، أحد معتقلي احتجاجات يناير 2026، بعد إدانته بإضرام النار في منشآت حكومية ومركز للشرطة في محافظة أصفهان.
وأفادت تقارير دولية بأن وكالة ميزان التابعة للسلطة القضائية الإيرانية أعلنت تنفيذ الحكم، بينما قالت منظمات حقوقية إن العائلة لم تُخطر مسبقاً، وإن المعلومات المستقلة حول سلامة الإجراءات القضائية وحقه في الدفاع ظلت محدودة.
وتقول منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية تستخدم ما تصفه بـ”ظروف الحرب” لتكثيف القمع، عبر الاعتقالات الجماعية، وتسريع إجراءات قضائية تفتقر إلى ضمانات العدالة، وتنفيذ إعدامات ذات دوافع سياسية، وفرض أحكام سجن قاسية ومصادرة ممتلكات.
وذكرت المنظمة في تقرير حديث أن السلطات اعتقلت تعسفياً أكثر من 6 آلاف شخص منذ الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، بينهم محتجون وصحفيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان وأفراد من أقليات عرقية ودينية.
السجون في قلب المخاوف
تربط منظمات حقوق الإنسان بين ارتفاع عدد الإعدامات وبين تزايد حالات نقل السجناء إلى الحبس الانفرادي وقطع التواصل مع العائلات ومنع الزيارات.
وتقول هذه المنظمات إن هذه الإجراءات قد تسبق تنفيذ أحكام الإعدام، بما يضع عائلات السجناء في حالة ترقب قاسية، خصوصاً عندما لا تحصل على معلومات واضحة عن مصير ذويها.
وفي سجن قزل حصار، أُعدم أربعة سجناء آخرون إلى جانب عارف خوشكار، بينهم بروين شاردولي، وهي أم لعدة أطفال، وفق بيانات حقوقية، كما تواصلت الإعدامات في سجون رشت وتبريز وشيراز وخرم آباد وساري وأصفهان، في مؤشر على اتساع تنفيذ الأحكام جغرافياً وعدم اقتصاره على ملف سياسي واحد.
وتقول منظمات حقوقية إن خطورة هذه الموجة لا ترتبط فقط بعدد الإعدامات، بل بطبيعة القضايا التي تشمل سجناء سياسيين ومعتقلي احتجاجات وسجناء من أقليات عرقية وقومية، إلى جانب مدانين في قضايا مخدرات، وهي الفئة التي تمثل تقليدياً نسبة كبيرة من أحكام الإعدام في إيران.
الموقف الرسمي الإيراني
في المقابل، تدافع السلطات الإيرانية عن تنفيذ أحكام الإعدام باعتبارها أحكاماً قضائية صادرة بعد إدانة المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة، بينها قتل عناصر أمن، والتخريب، وإضرام النار في منشآت حكومية، والتجسس، والجرائم المرتبطة بالمخدرات.
وتؤكد وسائل إعلام مقربة من السلطة القضائية، بينها وكالة ميزان، أن الأحكام تمر عبر مسارات قضائية تشمل المحاكمة والمراجعة أمام المحكمة العليا، وأن تنفيذها يستند إلى القوانين الإيرانية.
وفي قضيتي عارف خوشكار ومحمد أميني دهقاني، عرضت السلطات الرواية الرسمية باعتبارهما مدانين في أعمال عنف أو تخريب مرتبطة باحتجاجات، بينما ترفض منظمات حقوقية هذه الرواية أو تشكك في سلامة الإجراءات التي سبقت الإدانة.
ويظل الخلاف الأساسي بين الرواية الرسمية والمنظمات الحقوقية قائماً حول معايير المحاكمة العادلة، ومدى استقلال القضاء، وطبيعة الاعترافات، وإمكانية وصول المتهمين إلى محامين مستقلين، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني.
