منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إياكم أن تسألوا ديمقراطياً عمّا قاله قبل أكثر من 20 دقيقة!

05 يونيو 2026
يظهر عمدة المدينة زهران ممداني في فيديو الحملة الانتخابية لمرشحة مجلس النواب في نيويورك دارياليزا أفيلا شوفالييه
يظهر عمدة المدينة زهران ممداني في فيديو الحملة الانتخابية لمرشحة مجلس النواب في نيويورك دارياليزا أفيلا شوفالييه

تريد دارياليسا أفيلا شوفالييه، الاشتراكية الديمقراطية الساعية للفوز بمقعد النائب أدريانو إسبايات، أن يفهم الجميع شيئاً واحداً: تصريحاتها السابقة بشأن إلغاء الحدود الأمريكية، وإلغاء الشرطة بالكامل ووصمها بأوصاف مهينة، والتعامل مع العلم الأمريكي كخرقة، وإنكار وجود إسرائيل، وإطلاق تعليقات مسيئة بحق رجال سود وعرب تزوجوا من نساء بيضاوات وصفتهم بصفات جارحة، كلها أمور لا أهمية لها اليوم.

والسبب؟ ببساطة لأنها لم تقل هذه الأشياء هذا الأسبوع.

فهي لا تريد الاعتراف بأنها كانت مخطئة، ولا ترغب في شرح أسباب تغير موقفها، بل إنها لا تؤكد حتى أنها غيرت مواقفها بالفعل.

من وجهة نظرها، لا جدوى من العودة إلى منشورات كتبتها على وسائل التواصل الاجتماعي في عامي 2020 أو 2022. فهذه، كما تقول، تنتمي إلى “سياسات الماضي”، ولا تستحق النقاش اليوم.

أما الذين يطرحون عليها أسئلة بشأن تصريحات صدرت عنها قبل خمس أو ست سنوات، فهم -بحسب وصفها- أشخاص يعانون من “هوس” بالماضي، متجاهلين أنها “نضجت كثيراً” خلال تلك السنوات.

لكن السؤال البديهي يبقى قائماً: هل تطورت نحو الأفضل أم نحو الأسوأ؟ وما الذي تؤمن به فعلياً الآن بشأن هذه القضايا؟

هذا النوع من المراوغة أصبح مألوفاً لدى كثير من السياسيين اليساريين؛ فهم يبنون رصيدهم السياسي داخل الأوساط الراديكالية من خلال إطلاق تصريحات استفزازية ومتطرفة، ثم يقررون لاحقاً أن تلك التصريحات لم تعد ذات صلة أو لا تستحق التوقف عندها.

والمسألة لا تقتصر على شخصيات هامشية أو مرشحين محليين.

فخلال حملتها الرئاسية عام 2019، أعلنت كامالا هاريس تأييدها لحظر التكسير الهيدروليكي، ودعمت إنشاء نظام رعاية صحية حكومي شامل، وأبدت تأييدها لإلغاء تجريم عبور الحدود بصورة غير قانونية، كما طالبت ببرنامج فيدرالي إلزامي لإعادة شراء ما يُعرف بالأسلحة الهجومية.

لكن بعد خمس سنوات فقط، وعندما أصبحت المرشحة الرئاسية للحزب الديمقراطي، أعلن فريقها أنها غيّرت مواقفها من جميع هذه القضايا.

وفي الوقت نفسه أصرت هي شخصياً على القول: “قيمي لم تتغير”.

هذا الادعاء يثير تساؤلاً منطقياً: إذا كانت مواقفك السياسية قد تغيرت بالكامل بينما بقيت قيمك كما هي، فربما تكون القيمة الوحيدة الثابتة لديك هي قول ما تعتقد أنه سيساعدك على الفوز بالانتخابات.

المثال الآخر يتمثل في راما دواجِي، زوجة عمدة نيويورك زهران ممداني.

فقد تبين أنها كتبت أو أبدت إعجابها سابقاً بمنشورات حادة ومسيئة على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تصبح شخصية معروفة.. وعندما ظهرت هذه المنشورات إلى العلن، تولى زوجها الدفاع عنها والتقليل من شأن القضية بحجة أنها “شخصية خاصة” وأنها “حب حياته”.

وكأن الرأي العام لا يحق له أن يعرف ما تؤمن به زوجة عمدة المدينة بعد اكتشاف خطاب يحض على الكراهية أو يتضمن إساءات علنية.

لكن يبدو أن كل من يطرح هذه الأسئلة يوصف فوراً بأنه مجرد شخص آخر “مهووس” بالماضي.

الأمر نفسه ينطبق على غراهام بلاتنر، المرشح لمجلس الشيوخ في ولاية مين.

فالرجل أمضى ما يقرب من 18 عاماً حاملاً وشماً يحمل رمزاً مرتبطاً بقوات النازية، لكنه يختزل الأمر في كونه مجرد حماسة شبابية عابرة.

أما سجله الطويل في السخرية من الجيش الأمريكي والشرطة وسكان المناطق الريفية وضحايا الاغتصاب، فيتم تبريره باعتباره مجرد “تعليقات سخيفة” أو نتيجة لمعاناته من اضطراب ما بعد الصدمة.

وحتى نشاطه على منصة “كيك”، التي ارتبط اسمها مراراً بقضايا الاستغلال والانتهاكات الإلكترونية، يُقدَّم على أنه مرحلة عابرة في زواج لم يكن مثالياً.

لكن هذا التبرير لا يفسر حقيقة أن حسابه على المنصة ظل نشطاً حتى وقت قريب جداً.

الحقيقة أن كثيراً من السياسيين في اليسار لا يحبون الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بماضيهم أو بمواقفهم السابقة.

ولهذا يلجؤون إلى حيلة بسيطة: إعادة ضبط ساعة المساءلة كلما أصبحت الأسئلة محرجة.

فبمجرد مرور بضع سنوات، أو حتى بضعة أشهر أحياناً، يصبح المطلوب من الجميع تجاهل ما قيل سابقاً والتعامل مع السياسي كما لو أنه يبدأ من صفحة بيضاء جديدة.

قد تنجح هذه الاستراتيجية مع بعض الشخصيات الإعلامية أو المعلقين الذين يتبنون الأفكار نفسها التي يحاول هؤلاء السياسيون التنصل منها اليوم.

أما السؤال الحقيقي فهو: هل سيقتنع الناخبون بذلك أيضاً؟ هذا ما ستكشفه صناديق الاقتراع.

*نقلا عن نيويورك بوست