صفر – د. منى اللواتي
لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان تُختزل في انقطاع التيار أو تراجع الخدمة، بل أصبحت مسألة تمس جوهر الحقوق الأساسية للإنسان، فحين يُحرم الناس من الكهرباء، لا ينطفئ الضوء فقط، بل تتعطل مقومات الحياة الكريمة: حفظ الغذاء، تشغيل الأجهزة الطبية، الحصول على المياه، متابعة التعليم، والعمل، وحتى الإحساس بالأمان داخل المنزل.
ومع تراجع التغذية إلى ساعات محدودة، تحوّلت الكهرباء من خدمة عامة يفترض أن تكون متاحة للجميع، إلى امتياز غير متكافئ يحدد من يستطيع الاحتماء من العتمة ومن يُترك لمواجهة القسوة اليومية وحيدًا.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال متى يأتي التيار، بل من يملك القدرة على شراء بدائله، ومن يستطيع تحمّل كلفة العيش في بلد صار فيه الوصول إلى الكهرباء مرآة للفوارق الاجتماعية والاقتصادية.
وتنص المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على حق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ يشمل السكن والغذاء والكساء، وعلى التحسن المستمر في ظروف المعيشة.
حق أساسي للإنسان
وأوضحت الأمم المتحدة أن السكن اللائق لا يعني مجرد وجود سقف، بل يشمل الخدمات والمواد والمرافق والبنية التحتية الضرورية، ومنها الطاقة اللازمة للطبخ والتدفئة والإنارة، إضافة إلى المياه والصرف الصحي وتخزين الغذاء وخدمات الطوارئ، وهذا يعني أن الانقطاع المزمن للكهرباء يمكن قراءته حقوقيًا كمساس مباشر بأحد عناصر السكن اللائق.
ترتبط الكهرباء أيضًا بالحق في الصحة، حيث توضح مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الحق في الصحة ليس مقتصرًا على العلاج أو المستشفيات، بل يشمل أيضًا المحددات الأساسية للصحة مثل السكن الملائم، والمياه الآمنة، والغذاء، والظروف البيئية والصحية المناسبة، هذا يعني أن انقطاع الكهرباء يهدد حفظ الأدوية، وتشغيل الأجهزة الطبية المنزلية، وسلامة المياه والغذاء، وبالتالي يمس الحق في الصحة بصورة مباشرة.
وهكذا أصبحت الأزمة تتجاوز بعدها الخدمي، لتكشف بوضوح كيف يمكن لانهيار مرفق أساسي أن يهدد حقوقًا أوسع، من الصحة والتعليم إلى الكرامة الإنسانية نفسها.
وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية إلى أن الدولة اللبنانية لم تعد قادرة منذ عام 2021 على توفير أكثر من 1 إلى 3 ساعات كهرباء يومياً، فيما وصل التقنين في بعض الفترات إلى نحو 22 ساعة قطع يومياً، وفق بيانات المعهد اللبناني لدراسات السوق.
وتُظهر بيانات منصة الطاقة أن الإنتاج الفعلي لا يغطي سوى جزء محدود من الحاجة الوطنية، في وقت يصل فيه الطلب إلى نحو 5000 ميغاواط، بينما يعتمد لبنان بنسبة 98% على الوقود الأحفوري في إنتاج الكهرباء.
وبحسب بيانات البنك الدولي، فإن الدولة اللبنانية كانت تؤمن من 55% – 64% من الاحتياجات في عام 2018، لكن ذلك تراجع بشدة بعد الانهيار الاقتصادي في 2021، فيما بلغت الأضرار في البنية الكهربائية بسبب الحرب حتى أكتوبر 2024 نحو 122 مليار دولار.
أزمة متجذرة في لبنان
تعود جذور الأزمة إلى ما بعد الحرب الأهلية عام 1990، حيث فشلت الدولة في إعادة بناء قطاع الطاقة بشكل فعّال، قبل أن تتفاقم بفعل النزاعات المتكرر، فقد أدت حرب 2006 إلى تدمير واسع في البنية التحتية الكهربائية.
فيما تسببت المواجهات مع إسرائيل (2024–2025) بخسائر تُقدّر بنحو 307 ملايين دولار، وفق المعهد اللبناني لدراسات السوق، ما يعكس تداخل العوامل السياسية والأمنية مع الأزمة الاقتصادية.
وتتفاوت حدة الأزمة بين المناطق، حيث تحظى بيروت بتغذية أفضل نسبياً، بينما تعاني مناطق الشمال والبقاع والجنوب من انقطاعات أطول وأكثر قسوة، خصوصاً في المناطق التي تضررت بنيتها التحتية.
هذا التفاوت لا يعكس فقط خللا خدميا، بل يكشف بعدا من عدم المساواة، حيث يصبح الوصول إلى الكهرباء مرتبطا بالموقع الجغرافي، إلى جانب القدرة المادية.
أعباء إضافية على الأسر
ويمتد أثر انقطاع الكهرباء إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث يؤثر على حفظ الغذاء، وتعطل ضخ المياه، ويحدّ من قدرة المستشفيات والصيدليات على العمل بشكل مستقل؛ ما يجعل الحياة اليومية تحت ضغط العتمة، ويؤدي ذلك إلى تحميل الأسر أعباء إضافية، إذ تضطر إلى تنظيم حياتها وفق ساعات التغذية، ما ينعكس على العمل والإنتاج والدخل.
وفي مواجهة هذا الواقع، يلجأ المواطنون إلى بدائل مثل المولدات الخاصة، التي أصبحت مصدراً أساسياً للكهرباء رغم كلفتها المرتفعة وتأثيرها البيئي، أو إلى الطاقة الشمسية كخيار أكثر استدامة، وإن كانت كلفتها الأولية تشكّل عائقاً لفئات واسعة.
وتشير دراسات لجامعة كورنيل إلى أن إنتاج الطاقة الشمسية ارتفع من نحو 100 ميغاواط عام 2020 إلى أكثر من 1500 ميغاواط عام 2023، ما يعكس محاولة المجتمع التكيف مع غياب الاستقرار الكهربائي.
الكهرباء حق وليس خدمة
وتؤكد الحقوقية لمى فقيه، مديرة البرامج في “هيومن رايتس ووتش”، أن أزمة الكهرباء في لبنان تقلّص وصول السكان إلى حقوق أساسية، مشددة على أن الوصول إلى كهرباء آمنة وميسورة هو التزام على الدولة.
وفي المقابل، أشار مدير عام مؤسسة كهرباء لبنان، كمال حايك، إلى اتخاذ تدابير استثنائية تهدف إلى تحسين التغذية الكهربائية لفترات محدودة.
لكن هذه الإجراءات تبقى مؤقتة، ولا تعالج جذور الأزمة، ما يثير تساؤلات حول قدرة السياسات الحالية على تحقيق استقرار طويل الأمد في قطاع الطاقة.
وفي هذا الصدد، قال وزير التنمية الاجتماعية الأسبق بالأردن الدكتور أمين المشاقبة، إنّ السبب الرئيسي للعجز الذي تعيشه الدولة اللبنانية في مجال الطاقة ينقسم لثلاثة مستويات أولها الحرب الأهلية اللبنانية والآثار المترتبة على الحرب على مدار 16 عاما، واستمرار الأزمة منذ ذلك الوقت، كما يعتمد لبنان بالأساس على موتورات إنتاج كهرباء تقليدية قديمة وضعيفة، والاعتماد لوقت طويل على استيراد النفط من الخارج.
وأضاف المشاقبة في حديث خاص لـ”صفر”، أن ما يعمق الأزمة ويعقدها في لبنان هو تعسّر الوضع المالي والاقتصادي إلى جانب الفساد المالي الذي طال ملف الكهرباء، فضلا عن تعثر مشروع ربط شبكة الكهرباء من الأردن مرورا بسوريا إلى لبنان.
وعن انعكاسات ذلك على المواطن اللبناني، قال المشاقبة: “صحيح أن للبنان حضارة وتاريخاً وثقافة عريقة، ولكن من الناحية السياسية فهو دولة تصنَّف فاشلة، وتنقسم إلى 18 طائفة وتغزوها الصراعات الطائفية والمذهبية، والدولة الفاشلة هي العاجزة عن تغطية حاجة مواطنيها من غذاء وماء و كهرباء وحماية أمنية”.
وعن الحلول الممكنة للأزمة، قال: الحلّ يبدأ بحل القضايا السياسية واستقرار الدولة، إذا لم تستقر الدّولة اللبنانية وتصبح صاحبة قرارها السيادي فلن يكون هناك تقدم في أي مجال أو ملف من الملفات العاجلة مثل الطاقة والمياه والأمن الداخلي والحدود وغيرها”.

