منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إسرائيل وأرض الصومال.. تمدد جيوسياسي يختبر شرعية القانون الدولي

01 يوليو 2026
أرض الصومال ومساع إسرائيلية لموطئ قدم
أرض الصومال ومساع إسرائيلية لموطئ قدم

في منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة العالمية مع حسابات الأمن الإقليمي، يثير التقارب بين إسرائيل وأرض الصومال تساؤلات تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، لتصل إلى مستقبل التوازنات في القرن الإفريقي وحدود الشرعية التي يرسمها القانون الدولي.

ورغم أن أرض الصومال أعلنت انفصالها عن جمهورية الصومال عام 1991، فإنها لا تزال تفتقر إلى اعتراف دولي واسع، بينما تعتبرها الصومال والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي جزءا من الدولة الصومالية، في مقابل ذلك تحظى المنطقة باستقرار نسبي مقارنة بجوارها المضطرب، وتمتلك موقعا استراتيجيا يجعلها محل اهتمام متزايد من القوى الإقليمية والدولية.

ويأتي الاهتمام الإسرائيلي في سياق سباق متسارع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهي منطقة باتت تمثل إحدى أكثر الساحات حساسية في المنافسة الجيوسياسية العالمية، مع تنامي الوجود العسكري والاقتصادي لقوى إقليمية ودولية متعددة.

أهمية الموقع والممرات البحرية

تكمن أهمية أرض الصومال في إشرافها على خليج عدن، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، فضلا عن قربها من مضيق باب المندب الذي تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية وشحنات الطاقة.

ويمثل ميناء بربرة أحد أبرز الأصول الاستراتيجية في المنطقة، بعدما شهد خلال السنوات الأخيرة عمليات تطوير واسعة، جعلته محل اهتمام متزايد من المستثمرين والقوى الدولية الساعية إلى تعزيز حضورها اللوجستي والعسكري في القرن الإفريقي.

ويرى مراقبون أن أي انفتاح إسرائيلي على أرض الصومال لا يمكن عزله عن هذه الاعتبارات الجغرافية، في ظل سعي تل أبيب إلى توسيع شبكة علاقاتها في إفريقيا، وتعزيز حضورها بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

حسابات إسرائيل وأرض الصومال

بالنسبة لإسرائيل، قد يوفر التعاون مع أرض الصومال نافذة إضافية لتعزيز حضورها الأمني والاستخباراتي في منطقة البحر الأحمر، ومتابعة التطورات الإقليمية، خاصة في ظل تصاعد التنافس مع إيران وتنامي التحديات الأمنية المرتبطة بالملاحة الدولية.

أما بالنسبة لأرض الصومال، فإن أي انفتاح من دولة ذات ثقل عسكري مثل إسرائيل قد يمثل فرصة لتخفيف عزلتها الدولية، وجذب الاستثمارات، وإرسال رسالة بأنها باتت شريكا يمكن التعاطي معه في الملفات الأمنية والاقتصادية.

لكن هذا التقارب لا يخلو من تعقيدات، إذ يضع الطرفين أمام معادلة دقيقة بين المصالح السياسية والقيود القانونية، خصوصا أن أرض الصومال، رغم امتلاكها مؤسسات حكم مستقرة وإدارة منفصلة عن الحكومة الفيدرالية في مقديشو منذ أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال محل خلاف قانوني وسياسي دولي.

تقرير المصير ووحدة الأراضي

تكمن الإشكالية الأساسية في أن أي خطوة قد تفسر باعتبارها اعترافا سياسيا أو دبلوماسيا بأرض الصومال تثير تساؤلات قانونية بشأن احترام مبدأ وحدة أراضي الدول، الذي يعد أحد ركائز القانون الدولي.

في المقابل، يستند مؤيدو استقلال أرض الصومال إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، مستشهدين باستقرار الإقليم وامتلاكه مؤسسات سياسية وإدارية فاعلة مقارنة بالوضع الأمني والسياسي المعقد في أجزاء أخرى من الصومال.

وتبقى المفارقة بين مبدأ تقرير المصير ومبدأ وحدة الأراضي إحدى أكثر القضايا القانونية إثارة للجدل في العلاقات الدولية، إذ لا توجد قاعدة تلقائية تمنح أي إقليم حق الاعتراف الدولي بمجرد إعلانه الانفصال.

غياب مشروع إقليمي

يرى المحلل في الشؤون الصومالية، عبد الشكور عبد الصمد، في حديث لـ”صفر”، أن أي تمدد إسرائيلي في أرض الصومال أو منطقة القرن الإفريقي هو نتيجة لغياب رؤية استراتيجية ومشروع إقليمي لدى دول المنطقة، فضلا عن طريقة تعاملها مع الأزمات والاستحقاقات المختلفة التي تواجهها.

وقال عبد الصمد: “على دول المنطقة أن تتحمل مسؤولياتها قبل أن توزع الاتهامات على الآخرين”.

وفي ما يتعلق بشرعية القانون الدولي، قال عبد الصمد إن هذه الشرعية ترتبط إلى حد كبير بميزان القوى وبقدرة الدول على الدفاع عن مصالحها، موضحا أن من لا يمتلك عناصر القوة وأدواتها المختلفة يصعب عليه أن يجد مكانا مؤثرا في النظام الدولي، مستشهدا بتجارب أفغانستان والعراق وليبيا والسودان والبوسنة والهرسك وفنزويلا وغيرها.

ورجح عبد الصمد أن يتحدد مستقبل العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال وفق موقف المجتمع الدولي ودول المنطقة، وكذلك وفق الخطوات التي قد تتخذ خلال المرحلة المقبلة، موضحا أنه إذا نجحت دول المنطقة في تسوية الخلافات بين مقديشو وهرغيسا فسيكون المشهد مختلفا، أما إذا استمر الوضع على ما هو عليه فمن المرجح أن يتعزز التعاون القائم بين الجانبين.

حساسية خريطة التنافس

يعتقد الباحث في قضايا شرق إفريقيا، الدكتور علي محمود كلني، في حديث لـ”صفر”، أن التقارب المتنامي بين إسرائيل وأرض الصومال يأتي في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ويعكس سعي تل أبيب إلى تعزيز حضورها في واحدة من أكثر المناطق حساسية على خريطة التنافس الإقليمي والدولي.

وأوضح كلني أن الاهتمام الإسرائيلي بأرض الصومال لا ينفصل عن استراتيجية أوسع تستهدف توسيع النفوذ في الممرات البحرية الحيوية المطلة على خليج عدن ومضيق باب المندب، اللذين يمثلان شريانا رئيسيا للتجارة العالمية وحركة الطاقة.

وأضاف أن هذا الحضور يمنح إسرائيل هامشا أكبر لمتابعة التطورات الأمنية في البحر الأحمر وشرق إفريقيا، في ظل تصاعد التحديات الأمنية والجيوسياسية في المنطقة.

وأشار كلني إلى أن هذا التقارب يثير تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل القانون الدولي ومبادئ السيادة المعترف بها دوليا، موضحا أن أي انفتاح سياسي أو دبلوماسي على أرض الصومال من جانب قوى إقليمية أو دولية قد ينظر إليه باعتباره اختبارا جديدا لمدى التزام المجتمع الدولي بقواعد الاعتراف بالدول واحترام وحدة أراضيها.

إعادة تشكيل موازين القوى

أكد الخبير المتخصص في الشأن الإسرائيلي، الدكتور سهيل دياب، في حديث لـ”صفر”، أن فهم التحركات الإسرائيلية تجاه أرض الصومال يتطلب النظر إليها ضمن استراتيجية إقليمية أوسع، وليس باعتبارها خطوة منفصلة.

وقال دياب إن إسرائيل أعادت صياغة أولوياتها في الشرق الأوسط بعد أحداث 7 أكتوبر، موضحا أن استراتيجيتها لم تعد تقوم فقط على منطق “السلام مقابل السلام” أو توسيع اتفاقيات التطبيع، بل باتت تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة عبر إخضاع خصومها الإقليميين.

وأضاف أن إسرائيل تعتمد لتحقيق هذه الاستراتيجية على ثلاثة محاور جغرافية رئيسية، أولها عبر اليونان وقبرص لتعزيز الضغوط الأمنية والاقتصادية على تركيا، وثانيها عبر أذربيجان وأربيل لتعزيز نفوذها في مواجهة إيران ومحيط مضيق هرمز، وثالثها عبر أرض الصومال، التي تمنح إسرائيل موقعا استراتيجيا في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.

ويرى دياب أن التحرك الإسرائيلي في أرض الصومال يمثل حلقة ضمن مشروع إقليمي أشمل يهدف إلى إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.

موطئ قدم لإسرائيل

قال الخبير المتخصص في الشأن الإسرائيلي، نزار نزال، في حديث لـ”صفر”، إن إسرائيل تسعى إلى ترسيخ موطئ قدم لها في القارة الإفريقية، انطلاقا من اعتبارات أمنية واستراتيجية، وفي مقدمتها مواجهة تهديدات جماعة الحوثي وتأمين الملاحة في البحر الأحمر.

وأوضح نزال أن تعثر الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في المواجهة مع إيران عزز من أهمية التوجه نحو أرض الصومال، باعتبارها موقعا يمنح إسرائيل قدرة أكبر على مراقبة البحر الأحمر وحماية حركة السفن، خاصة بعد الهجمات التي شنها الحوثيون على السفن التجارية وما ترتب عليها من تعطيل ميناء إيلات.

وعلى الصعيد القانوني، اعتبر نزال أن إسرائيل لا تبدي اهتماما كبيرا بالقانون الدولي أو بمؤسسات المنظومة الدولية، مشيرا إلى أن الحرب على غزة كشفت محدودية قدرة الأمم المتحدة والمنظومة الدولية على فرض قواعد القانون الدولي، وهو ما جعل هذه المنظومة تواجه اختبارا غير مسبوق في فاعليتها ومصداقيتها.

ويرى نزال أن فرص تطور العلاقة بين إسرائيل وأرض الصومال ستظل محدودة في ظل عدم الاعتراف الدولي الواسع بالإقليم، لكنه أشار إلى أن المشهد قد يتغير إذا تصاعد التوتر بين مقديشو والإقليم، خاصة في حال تدخل تركيا، التي تمتلك نفوذا واسعا في الصومال، لدعم الحكومة الفيدرالية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print