يجلس رجل عند أعلى سلم كهربائي قصير، محاطًا بأكوام القمامة، يطلق تعليقات متواصلة ومشحونة بالتهديد عن نهاية العالم. وإذا طلب منه أحد أن يفسح الطريق، يبدأ بالصراخ. وأحيانًا يصرخ بلا سبب واضح.
وفي الساحة الرئيسية لمحطة بنسلفانيا، يتمايل مدمن مخدرات بملابس ممزقة بين المارة، يعترض طريق كل من يبطئ خطواته: ركاب نيوجيرسي، والمسافرون في رحلات العمل، والسياح القادمون لاكتشاف المدينة.
هؤلاء ينامون على الأرصفة، ويتمددون على السلالم، ويغلقون الممرات. وبعضهم لا يزال يرتدي الجوارب الزرقاء الخاصة بالمستشفيات، في إشارة إلى أنهم خرجوا للتو من منشآت علاجية قبل أن يعودوا مباشرة إلى الشارع.
من حين إلى آخر، تمر فرق متخصصة في التواصل مع المشردين داخل محطة بنسلفانيا، عارضة المأوى والمساعدة والخدمات الاجتماعية.
لكن هؤلاء الرجال ــ وهم جميعًا تقريبًا من الرجال ــ يعانون أمراضًا نفسية أو إدمانًا أو كليهما معًا، ولذلك يرفضون تلك العروض. والقانون يمنحهم الحق في الرفض. يفضلون البقاء ممددين على الأرض هنا، في قلب أكثر محطات القطارات ازدحامًا في الولايات المتحدة.
في معظم الأيام، يبدو المشهد محزنًا، محزن لأن أكثر محطات السكك الحديدية ازدحامًا في البلاد، وفي أكبر مدينة أمريكية، تتعامل مع هذا الواقع وكأنه أمر طبيعي. ومحزن لأن مئات الآلاف من الركاب يضطرون يوميًا إلى المرور وسط هذا المشهد. إنها الصورة الأولى التي يراها كثير من الزوار القادمين إلى المدينة من أجل زيارة متحف أو حضور عرض في برودواي.
لكن الحزن ليس الشعور الوحيد الذي يرافق هذا المشهد، هناك أيضًا الخوف.. الخوف من أن يفقد أحد هؤلاء الأشخاص، الذين يعيشون أصلًا على حافة الانهيار النفسي، آخر خيط يربطه بالواقع، فيتحول فجأة إلى خطر على من حوله.
وهذا بالضبط ما حدث مساء الأحد، عندما أخرج رجل يعاني اضطرابات نفسية سكينًا وهاجم عددًا من الأشخاص، طعنًا وقطعًا، ما أسفر عن إصابة خمسة أشخاص. لقد تكررت المأساة التي يصر بعض المدافعين عن المشردين على أنها لا تحدث.
كم خبرًا قرأنا مؤخرًا عن أشخاص يعانون أمراضًا نفسية دفعوا آخرين إلى مسارات القطارات؟ وكم مرة سمعنا عن اعتداءات عشوائية بالسكاكين؟ وكم من سكان نيويورك تعرضوا لهجمات غير مبررة في الشوارع ووسائل النقل؟
لم يعد الأمر حوادث فردية متفرقة، لقد تحول إلى ظاهرة متكررة، والحل موجود بالفعل، بل إنه مطبق في مدن أوروبية كثيرًا ما يضرب بها التقدميون الأمريكيون المثل في السياسات الاجتماعية والإنسانية.
في كوبنهاغن، على سبيل المثال، يعد النوم في الشوارع أو التسول مخالفة للقانون. والأمر ذاته ينطبق بدرجات متفاوتة في السويد والنرويج وهولندا، حيث لا يُسمح للأشخاص بالعيش في العراء داخل المناطق الحضرية.
يمكننا تطبيق النهج نفسه هنا، فالمشكلة ليست نقص الموارد.. ميزانية خدمات المشردين في مدينة نيويورك تبلغ نحو 3.5 مليارات دولار، وهو رقم هائل بكل المقاييس. ولدينا القدرة على توفير مكان إقامة لكل رجل مشرد يعيش اليوم داخل محطة بنسلفانيا.
ومن هذا المنطلق، فإن حادثة الطعن التي شهدتها المحطة ليست حادثًا معزولًا أو غير متوقع، بل نتيجة مباشرة لسياسة فاشلة انتهجتها الإدارات الديمقراطية المتعاقبة، والتي تتبنى مفهومًا مشوهًا للرحمة.
فهذه الإدارات ترى أن التعاطف مع المريض النفسي يعني تركه يتخذ قراراته بنفسه، حتى لو كانت تلك القرارات تدفعه إلى العيش وسط القمامة، أو تحت تأثير المخدرات، أو في البرد القارس، أو في ظروف تهدد سلامته وسلامة الآخرين.
وباسم هذا الفهم الخاطئ للرحمة، يُترك المرضى النفسيون في الشوارع بينما يتحمل المجتمع كله تبعات ذلك.
ويعتزم رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، زيادة ميزانية التعامل مع المشردين إلى 4.2 مليارات دولار. لكن ضخ المزيد من الأموال لن يغير شيئًا إذا لم يتغير النهج نفسه.
فالقضية ليست حجم الإنفاق، بل طبيعة السياسة المتبعة.. إننا نريد محطة بنسلفانيا آمنة، ونريد محطة غراند سنترال آمنة، ونريد مدينة آمنة.
ولا ينبغي التعامل مع كل حادثة جديدة باعتبارها قدرًا محتومًا أو خبرًا عابرًا يختفي بعد أيام قليلة، فكل مرة نغض الطرف فيها عن هذه المشكلة، نمنح أنفسنا فرصة جديدة لقراءة قصة اعتداء أخرى أو مشاهدة ضحية جديدة.
لقد حان الوقت للتوقف عن الاكتفاء بإبداء الأسف بعد وقوع الكارثة.. حان الوقت لاتخاذ إجراءات حقيقية قبل وقوع الكارثة التالية.
*نقلاً عن نيويورك بوست
