أعادت وفاة المهاجر المغربي عبد الرحيم فقير خلال عملية نفذتها الشرطة الإيطالية في مدينة بولونيا فتح النقاش حول حدود استخدام القوة أثناء عمليات التوقيف، بعدما تحولت الواقعة إلى قضية رأي عام أثارت موجة من الغضب والاحتجاجات في إيطاليا ودعوات واسعة لإجراء تحقيق مستقل يكشف جميع ملابسات الحادث.
وأثارت المشاهد التي وثقها أحد السكان بهاتفه المحمول مشاعر الصدمة داخل إيطاليا وخارجها، بعدما ظهر الرجل وهو يستغيث مراراً طالباً المساعدة قبل أن يفارق الحياة بعد وقت قصير.
وذكرت وسائل إعلام إيطالية، منها وكالة أنسا، أن وزارة الداخلية الإيطالية تعهدت بإجراء تحقيق يتسم بالشفافية الكاملة في ملابسات وفاة المهاجر المغربي، الذي عاش في إيطاليا أكثر من ثلاثين عاما، وذلك بعد أن قام عنصران من الشرطة بتقييده وطرحه أرضاً خلال تدخل أمني في حي بيلاسترو بمدينة بولونيا يوم الأحد الماضي، قبل أن يتوفى لاحقاً وسط مطالبات حقوقية وسياسية بكشف الحقيقة كاملة.
بداية الواقعة
أوضحت السلطات أن الجيران أبلغوا الشرطة عن وجود رجل يتصرف بصورة عدائية داخل الحي، وعند وصول عناصر الدورية اندلع احتكاك بين الطرفين، وأفادت وكالة “أنسا” بأن الرجل وجه ضربة إلى إحدى سيارات الشرطة، الأمر الذي دفع العناصر إلى استخدام رذاذ الفلفل قبل تكبيله للسيطرة عليه.
وأظهر مقطع فيديو استمر أكثر من خمس دقائق تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة عبد الرحيم فقير، حيث بدا وهو يردد بالإيطالية كلمات يستنجد فيها بمن حوله ويطلب المساعدة، في حين واصل الشرطيان تثبيته على الأرض أمام المسعفين الذين حضروا إلى المكان، وبعد دقائق فقد الرجل وعيه، ثم أعلن الأطباء وفاته.
تحقيق لكشف الحقيقة
باشر الادعاء العام في مدينة بولونيا تحقيقاً رسمياً لجمع الأدلة المتعلقة بالحادث، كما تسلم المحققون تسجيلات الكاميرات المثبتة على الزي الرسمي لأحد عنصري الشرطة المشاركين في عملية التوقيف، إلى جانب تسجيلات الفيديو التي التقطها أحد السكان، أملاً في إعادة بناء تسلسل الأحداث وتحديد الأسباب الدقيقة للوفاة.
وأكدت السلطات الإيطالية أن خبراء الطب الشرعي سيحددون ما إذا كانت الوفاة ارتبطت بطريقة التوقيف أو بحالة صحية سابقة، خاصة بعدما أشارت تقارير إعلامية إلى أن عبد الرحيم فقير كان يعاني من مشكلات في القلب ومن مرض الربو، وحتى الآن لم تعلن الجهات المختصة اتخاذ أي إجراءات تأديبية بحق الشرطيين المشاركين في الواقعة.
غضب حقوقي وسياسي
أشعلت الحادثة موجة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وأحزاب المعارضة التي طالبت بإجراء تحقيق مستقل وضمان محاسبة أي مسؤول يثبت تورطه في استخدام قوة غير مبررة. ورأى منتقدون أن الواقعة تستوجب مراجعة قواعد تعامل الشرطة مع الأشخاص الذين يعانون من أزمات صحية أو نفسية أثناء عمليات التوقيف.
وقالت خديجة، شقيقة عبد الرحيم فقير، لصحيفة كورييري ديلا سيرا إن شقيقها لم يكن يستحق أن تنتهي حياته بهذه الطريقة، مؤكدة أن مهمة الشرطة تتمثل في حماية الناس لا تعريض حياتهم للخطر. وأضافت أن الأشخاص الذين يمرون بحالات اضطراب يحتاجون إلى التهدئة والرعاية وليس إلى معاملة تنتهي بالموت.
دفاع حكومي عن الشرطة
في المقابل، دافع مسؤولون في الائتلاف الحكومي اليميني عن عناصر الشرطة، واعتبروا أنهم أدوا واجبهم في ظروف صعبة. وأكد حزب ليغا أن الشرطيين تصرفا في إطار مهامهما الأمنية، في حين دعا وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوسي إلى انتظار نتائج التحقيق وعدم إصدار أحكام مسبقة، مشدداً على ثقته في أجهزة إنفاذ القانون وفي القضاء الإيطالي.
كما أعرب نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني عن دعمه للشرطة، وأشاد غالياتسو بينامي، رئيس كتلة حزب إخوة إيطاليا في مجلس النواب، بما وصفه بالسلوك المهني للعناصر الأمنية، معتبراً أن التحقيق القضائي وحده يملك صلاحية تحديد المسؤوليات.
انقسام داخل الساحة السياسية
رفضت أحزاب المعارضة هذا الموقف، واعتبرت أن تقديم رسائل الدعم للشرطة قبل انتهاء التحقيق يبعث برسائل خاطئة للرأي العام، وقالت النائبة إلاريا كوتشي، المنتمية إلى تحالف الخضر واليسار، إن تضامن بعض المسؤولين مع عناصر الشرطة بعد الواقعة أثار استياءً واسعاً، متهمة الحكومة بتغذية خطاب يزيد من التوتر والعنف داخل المجتمع.
كما انتقد رئيس الحزب الديمقراطي فرانشيسكو بوتشا ما وصفه بمحاولات استنساخ نماذج أمنية متشددة، مؤكداً أن إيطاليا دولة ديمقراطية تمتلك مؤسسات دستورية وقضائية قادرة على حماية الحقوق والحريات.
وأوضحت المحامية باربارا سبينيلي التي سبق أن التقت عبد الرحيم فقير خلال إجراءات تجديد إقامته، أنه كان شخصاً هادئاً ومحترماً ويقيم في إيطاليا بصورة قانونية، وأضافت أنه كان يشعر بالقلق من احتمال ترحيله، لكنها طمأنته آنذاك بأن القانون الإيطالي يحمي حقوق المقيمين ويحترم سيادة القانون، معربة عن صدمتها مما حدث.
مظاهرات ومقارنات دولية
خرج مئات الأشخاص في شوارع بولونيا للمطالبة بالحقيقة والعدالة، ورفع المحتجون لافتات تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الوفاة. كما عقد ناشطون مقارنات بين الحادثة وقضية مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة، معتبرين أن الواقعتين تعيدان طرح أسئلة ملحة حول استخدام القوة أثناء عمليات التوقيف، وضرورة تطوير أساليب التعامل مع الأشخاص الذين يواجهون أزمات صحية أو نفسية.
تشهد إيطاليا منذ سنوات نقاشاً متواصلاً حول العلاقة بين أجهزة الأمن وملفات الهجرة وحقوق الإنسان، خاصة مع تشديد الحكومات المتعاقبة سياسات الهجرة وتعزيز صلاحيات قوات الأمن في التعامل مع المهاجرين. وتتابع منظمات حقوق الإنسان الأوروبية عن كثب أي اتهامات تتعلق بالاستخدام المفرط للقوة أو سوء المعاملة أثناء الاحتجاز أو التوقيف، مطالبة بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة تضمن المساءلة واحترام سيادة القانون.
وتكتسب قضية عبد الرحيم فقير أهمية خاصة لأنها تجمع بين قضايا الهجرة وحقوق الإنسان واستخدام القوة من جانب الشرطة، وهي ملفات تواصل إثارة نقاش واسع داخل إيطاليا وفي المؤسسات الأوروبية المعنية بحماية الحقوق الأساسية.
