منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسيلة للنقل والإنتاج.. “الحمير” ملاذ ملايين الإثيوبيين لمواجهة أزمات الوقود

30 أبريل 2026
الحمير تستخدم في النقل والعمل لمواجهة أزمة الوقود
الحمير تستخدم في النقل والعمل لمواجهة أزمة الوقود

تشكل الحمير في إثيوبيا جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لا بوصفها حيوانات نقل فقط، بل بوصفها وسيلة إنتاج يومية يعتمد عليها ملايين الناس في جلب الماء ونقل الحطب والسلع والمحاصيل والمواد الخام داخل المدن والقرى.

وفي بلد ترتفع فيه أسعار الوقود، وتتسع فيه المسافات بين المزارع والأسواق، وتبقى وسائل النقل الحديثة بعيدة المنال لكثير من الأسر، تتحول الحمير إلى “بنية تحتية حية” لا غنى عنها، ولا تبدو العيادات المجانية الخاصة بها مجرد مبادرات خيرية، بل جزء من شبكة دعم غير رسمية تساعد الاقتصاد الشعبي على البقاء، وفق مؤسسة (محمية الحمير) The Donkey Sanctuary الدولية.

وتضم إثيوبيا أكبر عدد من الحمير في العالم، مع تقديرات حديثة تتجاوز 10 ملايين حمار، في حين تشير تقديرات في الأوساط البيطرية إلى أكثر من 7 أو 8 ملايين.

العمود الفقري لقطاع الدواب

تمثل الحمير العمود الفقري لقطاع الدواب العاملة في إثيوبيا، ففي دراسة منشورة في 2025 عن نظم تربية الحمير في البلاد، قيل إن الحمير تشكّل 81% من إجمالي أعداد الدواب في إثيوبيا، وإنها موجودة في مختلف الأقاليم والمناطق البيئية، ما يجعلها الحيوان العامل الأكثر انتشاراً والأقرب إلى حياة الفقراء والعمال وصغار المزارعين.

كما تشير دراسة أخرى منشورة في 2024 إلى أن تربية الحمير واستخدامها في الريف والحضر يظلّان حاسمين في دعم سبل العيش والدخل والقدرة على الوصول إلى الأسواق والخدمات، وفق جمعية حماية الحيوانات في الخارج (SPANA).

وهذا الانتشار لا يجعل مسألة رعاية الحمير قضية بيطرية فقط، بل قضية تنموية أيضاً؛ لأن أي تراجع في صحتها ينعكس فورًا على دخل الأسرة وقدرتها على الحركة والعمل.

عيادات مجانية لحماية لقمة العيش

تبرز في هذا السياق أهمية العيادات المجانية المخصصة للحمير، وأشهرها العيادة التي تديرها مؤسسة ملاذ الحمير بالتعاون مع كلية الطب البيطري والزراعة في جامعة أديس أبابا.

وتقع هذه العيادة قرب ميركاتو، السوق المفتوحة الكبرى في العاصمة، حيث تتجمع الحيوانات العاملة التي تنقل يومياً الحبوب والفحم والخضار والمواد المنزلية.

ووفق مؤسسة “ملاذ الحمير”، تعالج هذه العيادة أكثر من 4,000 حمار سنوياً، وتوفر خدماتها مجاناً لأصحاب الحيوانات الذين لا يستطيع كثير منهم تحمّل كلفة العلاج الخاص.

وتشمل الرعاية معالجة الجروح وإصابات الحوافر والمغص ومشكلات العيون وسوء التغذية ومضاعفات الأحمال الثقيلة، وهي إصابات ترتبط مباشرة بطبيعة العمل الشاق الذي تؤديه الحمير في المدن.

عيادات متنقلة لتقديم العلاج

تعمل منظمات أخرى أيضاً في هذا المجال، منها الجمعية الدولية لحماية الحيوانات في الخارج التي تقول إن مركزها البيطري في بيشوفتو وثلاث عيادات متنقلة تقدم العلاج لأكثر من 20 ألف حيوان عامل من خيول وحمير وبغال سنوياً في إثيوبيا.

كما توفر هذه الجهود تدريبات لأصحاب الحيوانات وللعاملين البيطريين على تحسين الرفق بالحيوان وتقليل الإصابات المرتبطة بالأحزمة والأحمال والقيود التقليدية.

وتكشف هذه الأرقام أن القطاع الخيري والبيطري الأهلي أصبح لاعباً أساسياً في سد فجوة الخدمات، سواء في المدن الكبرى أو المناطق الريفية والنائية، في ظل محدودية البنية البيطرية العامة الموجهة خصوصاً للحيوانات العاملة.

حيوانات أساسية لكنها منسية

تواجه حمير إثيوبيا مجموعة متراكبة من المشكلات الصحية والرفاهية، منها الجروح الناتجة عن السروج والأحزمة الرديئة، والتهاب الأقدام والحوافر، والأمراض الجلدية والفطرية، والطفيليات، وسوء التغذية، والجفاف، والإرهاق المرتبط بالأحمال الثقيلة.

وتُظهر دراسات بيطرية حديثة من إثيوبيا نسباً مرتفعة من العدوى الطفيلية والأمراض المرتبطة بالإجهاد وسوء الإدارة، كما تشير الأبحاث الاجتماعية إلى أن كثيراً من المالكين لا يلجؤون إلى العيادات البيطرية بسبب التكلفة أو البعد أو الاعتقاد الخاطئ بأن الحمار لا يحتاج علاجاً أو أن علاجه غير مجدٍ.

وفي دراسة تطبيقية نُشرت في 2024 عن برامج التدخل المجتمعي في إثيوبيا، قيل إن بعض أصحاب الحمير كانوا يعتقدون أن “الحمار المريض لا يتعافى”، وأن الأطباء البيطريين “غير مدربين على الحمير”، وهو ما يفسر ضعف الإقبال على الخدمة قبل توسع العيادات التوعوية والمجانية.

تحركات لحماية الحيوانات

أضافت التغيرات البيئية والحضرية ضغوطاً جديدة على هذه الحيوانات، ففي يوليو 2025 تحدثت مؤسسة ملاذ الحمير عن مشروع بحثي جديد لمعالجة أزمة البلاستيك التي تواجه حمير إثيوبيا، بعدما تبين أن كثيراً منها يبتلع النفايات البلاستيكية أثناء البحث عن الطعام في المناطق الحضرية والمكبات، وهو ما يسبب لها مضاعفات معوية خطيرة قد تصل إلى النفوق.

كما أشارت المؤسسة إلى أن التغير المناخي والجفاف والفيضانات والنزاعات المحلية زادت هشاشة المجتمعات التي تعتمد على الحيوانات العاملة، وبالتالي زادت الضغط على الحمير نفسها، وهذا يعني أن المسألة لم تعد فقط سوء معاملة فردية، بل صارت جزءاً من أزمة بيئية ومعيشية أوسع.

وخطت إثيوبيا في الفترة الأخيرة خطوات اعتبرتها منظمات الرفق بالحيوان مهمة على المستوى القانوني والرمزي، إذ احتفت مؤسسات عاملة في القطاع بإقرار تشريع يعترف بالحيوانات بوصفها كائنات ذات إحساس، وهو تطور اعتبرته هذه المنظمات تحولاً مهماً في بلد يضم أكبر عدد من الحمير في العالم.

وتتعاون وزارة الزراعة الإثيوبية مع مؤسسات دولية متخصصة في صحة ورفاهية الدواب العاملة، ومنها عقد منتديات مشتركة وسياسات بيانات بيطرية أوسع تتعلق بالحمير والبغال والخيول، غير أن هذا المسار القانوني والمؤسسي لا يعني أن الخدمات أصبحت كافية أو أن المشكلة حُلت؛ فالحاجة ما تزال كبيرة، خصوصاً في الأقاليم البعيدة وفي المجتمعات الفقيرة التي تعتمد على الحيوان في معيشتها اليومية أكثر مما تعتمد على الآلات.

الحماية بوصفها ملفاً أساسياً

يبين هذا كله أن الحديث عن الحمير في إثيوبيا ليس شأناً ثانوياً أو طريفاً، بل ملف اقتصادي واجتماعي وصحي متكامل، فحين يتعثر الحمار أو يمرض أو ينفق، تتعطل معه قدرة الأسرة على جلب الماء وبيع السلع ونقل المحاصيل، ويخسر صاحبُه أداة رزق قد لا يملك بديلاً لها.

ومن هنا تبدو العيادات المجانية، خصوصاً في أديس أبابا وبيشوفتو والمناطق التي تصلها العيادات المتنقلة، جزءاً من حماية الناس بقدر ما هي حماية للحيوان.

والحقيقة التي تتكرر في معظم المصادر الحديثة هي أن الحمير في إثيوبيا ما تزال أساسية لكنها مُهمَلة، وأن الرعاية البيطرية المجانية والتدريب والتوعية تبقى من أكثر الأدوات فعالية للحفاظ على صحة الحيوان وعلى استقرار الأسر التي تعتمد عليه.