منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط مخاوف حقوقية.. الاتحاد الأوروبي يفتح باب مراكز ترحيل اللاجئين خارج أراضيه

04 يونيو 2026
تزايدت عمليات ترحيل المهاجرين من أوروبا بشكل مقلق
تزايدت عمليات ترحيل المهاجرين من أوروبا بشكل مقلق

يتجه الاتحاد الأوروبي إلى مرحلة جديدة في سياسة الهجرة واللجوء، بعد إقرار قواعد تسمح للدول الأعضاء بعقد اتفاقات مع دول ثالثة لإنشاء مراكز ترحيل خارج أراضي الاتحاد، لإيواء طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم بانتظار إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

وتأتي هذه الخطوة ضمن حزمة أوسع تهدف إلى تسريع عمليات إعادة المهاجرين الذين لا يملكون حق البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، في تحول يوصف بأنه أحد أبرز التغييرات في سياسة الهجرة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، لكنه يثير في الوقت نفسه انتقادات حقوقية تتعلق بضمانات الحماية، ومخاطر ترحيل أو احتجاز أشخاص في دول قد لا تتوفر فيها معايير كافية لحماية الحقوق الأساسية.

بموجب القواعد الجديدة، سيكون بإمكان الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إبرام اتفاقات ثنائية مع دول غير أعضاء في التكتل لاستضافة ما يُعرف باسم “مراكز العودة”، المخصصة للمهاجرين الذين صدرت بحقهم قرارات رفض أو ترحيل.

تنفيذ قرارات العودة

تقول الدول الداعمة للخطة إن الهدف منها ليس معاقبة المهاجرين، بل ضمان تنفيذ قرارات العودة بحق من لا يملكون أساساً قانونياً للبقاء في دول الاتحاد.

وترى هذه الدول أن انخفاض معدلات العودة الفعلية جعل سياسات الهجرة الأوروبية غير مكتملة، خاصة أن نسبة كبيرة ممن تصدر بحقهم أوامر مغادرة لا يعودون فعلياً إلى بلدانهم.

وبحسب المعطيات المطروحة داخل الاتحاد، يبلغ متوسط نسبة تنفيذ أوامر المغادرة نحو 27% فقط على مستوى التكتل، وهو رقم تستخدمه الحكومات الأوروبية للدفاع عن الحاجة إلى آليات أكثر صرامة في ملف العودة.

انتقادات حقوقية ومخاوف من انتهاكات

أثارت القواعد الجديدة انتقادات واسعة من معارضين ومنظمات حقوقية، يحذرون من أن نقل طالبي اللجوء المرفوضين إلى مراكز خارج الاتحاد الأوروبي قد يعرضهم لمخاطر قانونية وإنسانية، خصوصاً إذا لم تكن الدول المستضيفة قادرة على ضمان ظروف احتجاز لائقة، أو حماية من الإعادة القسرية، أو حق الوصول إلى محامٍ وطعن فعال.

وتتركز المخاوف حول احتمال أن تتحول هذه المراكز إلى مناطق رمادية قانونياً، تتراجع فيها الرقابة المباشرة على أوضاع المحتجزين، في حين تبقى الدول الأوروبية مسؤولة سياسياً وقانونياً عن نتائج اتفاقاتها مع الدول الثالثة.

وفي هذا السياق، قال نائب وزير الهجرة في قبرص، نيكولاوس إيوانيديس، إن الدول الأعضاء التي ترسل طالبي لجوء رُفضت طلباتهم إلى مراكز في دول ثالثة ستكون مطالبة بالبحث عن ضمانات “أكثر ملموسية” لحماية حقوق الإنسان.

وأضاف أن احترام حقوق الإنسان يمثل “خطاً أحمر”، مشيراً إلى أن الاتفاقات المنتظرة يجب أن تتضمن ضمانات مفصلة بشأن ما ينبغي فعله في حال وقوع انتهاكات.

رقابة دولية مقترحة

تتضمن التصورات الأوروبية المطروحة إشراك منظمات دولية في مراقبة أوضاع مراكز العودة، من بينها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة.

وتهدف هذه الرقابة، بحسب الطرح الأوروبي، إلى التأكد من احترام المعايير الإنسانية والقانونية داخل المراكز، وضمان عدم تعرض المهاجرين لمعاملة مهينة أو احتجاز تعسفي أو ترحيل إلى بلدان قد يواجهون فيها خطرا.

لكنّ المسؤولين الأوروبيين يقرون بأن التفاصيل العملية لا تزال قيد النقاش. وقال إيوانيديس إن الدول الأعضاء ما زالت في مرحلة تبادل الأفكار، وإن العمل سيبدأ بعد إقرار اللائحة على تطوير تدابير أكثر قابلية للتطبيق على أرض الواقع.

الأطفال ضمن الجدل

تحظر القواعد الجديدة إرسال القاصرين غير المصحوبين إلى مراكز العودة في دول ثالثة، لكنها لا تمنع نقل الأطفال المرافقين لأسرهم إلى هذه المراكز.

ويثير هذا البند مخاوف حقوقية خاصة، لأن احتجاز أو نقل أسر تضم أطفالاً يتطلب ضمانات إضافية تتعلق بمصلحة الطفل الفضلى، والحق في التعليم والرعاية الصحية والحماية النفسية، ومنع تعرض القاصرين لأي ظروف احتجاز قاسية أو طويلة الأمد.

وقال إيوانيديس إن “مصلحة الطفل الفضلى” ستؤخذ في الاعتبار قبل اتخاذ أي قرار بإرسال أسرة لديها أطفال صغار إلى مركز عودة، غير أن منظمات حقوقية ترى أن هذا المبدأ يحتاج إلى آليات واضحة وملزمة، لا مجرد تعهدات عامة.

قواعد احتجاز أكثر صرامة

لا تقتصر الحزمة الجديدة على إنشاء مراكز عودة خارج الاتحاد، بل تشمل أيضا إجراءات تهدف إلى الضغط على المهاجرين المرفوضين للتعاون مع قرارات الترحيل.

وتتضمن هذه الإجراءات قواعد أكثر صرامة للاحتجاز، وحظر دخول لفترات أطول، في محاولة لتشجيع رعايا الدول الثالثة على قبول العودة والتعاون مع سلطات الدول الأعضاء.

وتقول دول أوروبية إن جزءاً من أزمة العودة يرتبط برفض بعض دول المنشأ استقبال رعاياها، أو بعدم تعاون بعض الأشخاص مع إجراءات تحديد الهوية والعودة. في المقابل، تحذر جهات حقوقية من أن تشديد الاحتجاز أو تمديده قد يؤدي إلى انتهاكات إذا لم يخضع لضمانات قضائية ورقابة مستقلة.

قبرص تدفع نحو تشديد الهجرة

تأتي هذه التطورات في حين تتولى قبرص الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي لمدة ستة أشهر، وقد جعلت حكومتها تشديد قوانين الهجرة والعودة ضمن أولوياتها الرئيسة.

ووصف نائب وزير الهجرة القبرصي قواعد إعادة المهاجرين بأنها “القطعة المفقودة” في عملية إعادة صياغة قواعد الهجرة الأوروبية، المعروفة باسم الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء، والذي يدخل حيز التنفيذ خلال الفترة المقبلة.

وتعكس هذه التصريحات اتجاهاً متزايداً داخل الاتحاد الأوروبي نحو جعل ملف العودة والترحيل ركناً أساسياً في سياسة الهجرة، إلى جانب إجراءات اللجوء والاستقبال وحماية الحدود.