منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط دعوات لتعزيز العدالة.. الصحة والكرامة الإنسانية في صدارة المناقشات الحقوقية

17 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان
مجلس حقوق الإنسان

تواصلت، اليوم، المناقشات الدولية حول سبل تعزيز الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، في ظل تأكيد متزايد على أن الكرامة الإنسانية تمثل الركيزة الأساسية لإعمال هذا الحق.

وشهد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مداخلات مكثفة من مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان ومنظمات دولية وإقليمية وممثلين عن المجتمع المدني، تناولت التحديات المرتبطة بإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، وتأثير النزاعات والأزمات الإنسانية، وقضايا التمييز والإقصاء الاجتماعي، إلى جانب أهمية بناء نظم صحية أكثر عدالة وشمولاً.

وجاءت هذه المناقشات في إطار فعاليات الاجتماع السادس للدورة الـ62 للمجلس، إذ استعرضت مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان ومنظمات دولية وإقليمية وممثلون عن المجتمع المدني رؤاهم بشأن التحديات التي تواجه إعمال الحق في الصحة، مؤكدين أن الكرامة الإنسانية تمثل الأساس الذي يجب أن تقوم عليه السياسات الصحية والبرامج الوطنية والدولية.

وشهدت الجلسة طرح قضايا متنوعة تراوحت بين صعوبات الوصول إلى الرعاية الصحية والأدوية، وتأثير النزاعات المسلحة على الأنظمة الصحية، والتداعيات الصحية للتمييز والتجريم، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالصحة النفسية والحقوق الجنسية والإنجابية، وأهمية حماية العاملين في القطاع الصحي باعتبارهم جزءاً أساسياً من منظومة حقوق الإنسان.

أزمة هيكلية

وسلطت مفوضية الدفاع عن الشعب في كولومبيا الضوء على ما وصفته بالأزمة الهيكلية التي تواجه الحق في الصحة داخل البلاد، مشيرة إلى أن هذه الأزمة تنعكس بشكل مباشر على قدرة المواطنين على الوصول إلى الأدوية الأساسية والعلاجات مرتفعة التكلفة.

وأوضحت المفوضية أن تقريراً أصدرته في نوفمبر 2025 كشف استمرار الشكاوى المتعلقة بعدم توافر الأدوية وصعوبة الحصول على الخدمات الصحية والتأخر في المواعيد الطبية المتخصصة، رغم وجود آليات دستورية تهدف إلى حماية الحقوق الأساسية.

وأكدت أن معالجة هذه التحديات تتطلب إصلاحاً شاملاً يراعي الفوارق الجغرافية والثقافية والإثنية، ويعتمد نهجاً قائماً على الخصوصيات الإقليمية، مع وضع الكرامة الإنسانية في صميم السياسات الصحية.

الكرامة في قلب الإصلاح

من جانبه، شدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب على أن الحق في الصحة يمثل أحد المحاور الرئيسية في عمله الرقابي والتقييمي، مشيراً إلى تخصيص فصل كامل لهذا الحق ضمن تقاريره السنوية.

وأوضح المجلس أن المغرب حقق تقدماً مهماً من خلال اعتماد القانون الإطار الخاص بالمنظومة الصحية الوطنية، الذي يكرِّس مفهوم الكرامة الإنسانية في تقديم الخدمات الصحية، داعياً إلى مواصلة تعزيز حكامة القطاع الصحي وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة لضمان وصول الجميع إلى خدمات صحية جيدة وعادلة.

وأكد أهمية إيلاء اهتمام خاص للفئات الهشة وضمان عدم حرمانها من الخدمات الصحية الأساسية.

بدورها، عرضت المفوضية المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين صورة قاتمة للأوضاع الصحية في الأرض الفلسطينية المحتلة، مؤكدة أن أكثر من مليوني شخص في قطاع غزة يواجهون انهياراً شبه كامل في منظومة الرعاية الصحية.

وأشارت إلى أن المرضى المصابين بالسرطان والفشل الكلوي والأمراض المزمنة، إضافة إلى الجرحى والأشخاص ذوي الإعاقة، يواجهون صعوبات حادة في الحصول على العلاج والرعاية اللازمة، فيما يحتاج آلاف الأطفال إلى خدمات التشخيص والعلاج والدعم النفسي.

وأكدت أن هذه الظروف تعكس بصورة واضحة الترابط بين الصحة ومحدداتها الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمياه والصرف الصحي والمأوى والوصول إلى المستشفيات، داعية إلى ضمان تدفق الوقود والأدوية وتسهيل الإجلاء الطبي وإعادة تفعيل خدمات الصحة النفسية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

تعزيز الحق في الصحة

وأكدت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر أن الحق في الصحة يمثل أحد الحقوق الأساسية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالكرامة الإنسانية والتنمية المستدامة.

وأشادت بالجهود الوطنية المبذولة لتطوير القطاع الصحي وتوسيع نطاق الرعاية الصحية وتحسين البنية التحتية والخدمات الوقائية، فضلاً عن الاهتمام المتزايد بصحة العمال والفئات الأكثر عرضة للتحديات.

وفي الوقت نفسه، أشارت اللجنة إلى أن مجال الصحة النفسية لا يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير والتوسع في الخدمات المتخصصة والبنية الداعمة، بما يضمن وصولاً أكثر شمولاً وفعالية للرعاية النفسية.

وفي مداخلة مشتركة، رحبت منظمة Women Deliver وتحالفات نسوية وحقوقية متعددة بالتقرير المقدم من المقررة الخاصة، معتبرة أنه عزز الفهم الحقوقي للصحة من خلال التركيز على الاستقلال الجسدي والحقوق الجنسية والإنجابية.

وأكدت المنظمات أن العدالة والكرامة الإنسانية يجب أن تكونا محور السياسات الصحية، مشيدة بتناول التقرير لقضايا الوصم والتمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وكذلك الاعتراف بالعاملين الصحيين بوصفهم مدافعين عن حقوق الإنسان.

ودعت مجلس حقوق الإنسان إلى مواصلة العمل لمعالجة المحددات الهيكلية للصحة، بما في ذلك التمييز والفقر والإقصاء الاجتماعي.

انتقادات لمواقف المقررة الخاصة

في المقابل، طرحت منظمة “الأمم المتحدة ووتش” تساؤلات وانتقادات تتعلق ببعض المواقف السابقة للمقررة الخاصة، متسائلة عن مدى اتساق تلك المواقف مع المبادئ التي يدعو إليها التقرير، خصوصاً فيما يتعلق بمفاهيم الكرامة الإنسانية واحترام الآراء المختلفة.

وأشارت المنظمة إلى قضايا مرتبطة بمواقف المقررة من العمل في مجال الجنس وبعض التصريحات التي أثارت جدلاً في أوساط حقوقية، داعية إلى توضيح مدى توافق هذه المواقف مع المعايير التي يتبناها التقرير بشأن عدم التمييز والاحترام المتبادل.

ومن جانب آخر، أكد تحالف السياسات الدولية للمخدرات (IDPC) وشركاؤه أن سياسات مكافحة المخدرات في عدد من الدول الآسيوية ما تزال تؤدي إلى تكريس الوصم والتمييز وإعاقة الوصول إلى الخدمات الصحية.

وأشار التحالف إلى أن التجريم المفرط للأنشطة المرتبطة بالمخدرات أدى إلى ارتفاع معدلات السجن، خصوصاً بين الفئات المهمشة والنساء، كما ساهم في تحويل برامج العلاج إلى أدوات ذات طابع عقابي.

ودعا إلى تبني نهج قائم على خفض الضرر واحترام الكرامة الإنسانية وضمان المشاركة والمساواة والسرية في تقديم الخدمات الصحية.

رفض التجريم

في بيان مشترك، شددت منظمات مجتمع مدني عاملة في مجالات مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية وحقوق الفئات المهمشة على أن التجريم يمثل أحد أبرز العوائق أمام إعمال الحق في الصحة.

وأكدت أن القوانين العقابية تؤدي إلى الإقصاء الاجتماعي وتحد من فعالية الاستجابات الصحية، داعية إلى مراجعة السياسات التي تجرّم بعض الفئات أو السلوكيات، وتوسيع نطاق التدابير القائمة على احترام الحقوق الإنسانية والاستقلالية الفردية.

ورحبت المنظمات بالتركيز على الخصوصية والسرية وحماية البيانات الصحية من الاستخدامات العقابية أو الرقابية التي قد تؤثر على ثقة الأفراد في الأنظمة الصحية.

دعوات لتعزيز التعاون

وفي مداخلة قدمتها شبكة المنظمات الصينية غير الحكومية للتبادل الدولي، جرى التأكيد على أهمية التعاون الدولي في المجال الصحي، وتبادل الخبرات والمعارف والتقنيات الحديثة، بما في ذلك الطب عن بُعد والتقنيات الذكية التي تساعد على تجاوز الحواجز الجغرافية وتوسيع الوصول إلى الخدمات الصحية.

وأكد المتحدث أن تعزيز الرعاية الصحية الأولية وتطوير آليات التشخيص والعلاج يمثلان جزءاً أساسياً من ضمان الحق في الصحة للجميع.

وسلطت منظمة العون الطبي للفلسطينيين الضوء على ما وصفته بالتداعيات الكارثية للأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيرة إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالمستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحيين في قطاع غزة.

وأكدت أن تدمير البنية التحتية والقيود المفروضة على السكان أثرت بصورة مباشرة على الوصول إلى الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي والغذاء، كما انعكست سلباً على الصحة النفسية للسكان.

ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات فعالة لحماية المدنيين والعاملين الصحيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.

سياسات مقيدة للحقوق الصحية

في السياق ذاته، اعتبرت مبادرة الحقوق الجنسية ومنظمات شريكة أن عدداً من الحكومات لا يزال يعتمد سياسات وقوانين تحد من التمتع الكامل بالحق في الصحة، من خلال التجريم والمراقبة المفرطة والقيود المفروضة على الحقوق الجنسية والإنجابية وسياسات الهجرة.

وأكدت أن تقليص الإنفاق العام على الخدمات الصحية والتوسع في الخصخصة يفاقمان من أوجه عدم المساواة الصحية، داعية الدول إلى الاستثمار في نظم صحية ممولة من القطاع العام وقائمة على مبادئ الكرامة والمساواة.

وفي مداخلة باسم جمعية أمل الدولية وشبكة المنظمات غير الحكومية العربية واللبنانية، جرى التطرق إلى التداعيات الإنسانية والصحية للنزاع في لبنان، حيث أشير إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وتعرض العديد من البلدات والقرى لأضرار واسعة.

وأكد البيان أن القطاع الصحي تكبد خسائر كبيرة شملت تدمير مستشفيات وسقوط ضحايا بين العاملين الصحيين، مطالباً بإجراء تحقيق دولي مستقل لرصد الانتهاكات وجمع الأدلة وحفظها، بما يتيح مساءلة المسؤولين عنها مستقبلاً.

كما دعا إلى إرسال بعثة أممية لتقصي الحقائق والوقوف على حجم الأضرار والانتهاكات التي طالت القطاع الصحي.

مقاربات حقوقية شاملة

وفي بيان مشترك لتحالف منظمات حقوقية دولية، جرى الترحيب بالمنهج التقاطعي الذي اعتمده التقرير، والذي يربط بين الصحة وعوامل مثل النوع الاجتماعي والعمر والإعاقة والوضع الاقتصادي والاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار تجريم بعض الممارسات، بما في ذلك الإجهاض والعلاقات المثلية، يفاقم التمييز والعنف ويحد من فرص الوصول إلى الخدمات الصحية للفئات المهمشة.

وأشاد التحالف بإسهام المقررة الخاصة في إبراز الجذور البنيوية للعوائق التي تواجه الحق في الصحة، بما في ذلك آثار الاستعمار والعنصرية والتمييز الهيكلي.

المساواة أولوية قصوى

في ختام الحوار، أكدت المقررة الخاصة المعنية بالحق في الصحة أن المساواة وعدم التمييز يمثلان التزامين أساسيين لا يمكن التراجع عنهما، مشددة على ضرورة إزالة جميع أشكال التمييز المباشر وغير المباشر التي تحول دون وصول الأفراد إلى الخدمات الصحية.

وأوضحت أن الحق في الصحة لا يقتصر على الرعاية الطبية فحسب، بل يشمل أيضاً السكن الملائم والمياه النظيفة والغذاء والتعليم وظروف الحياة الكريمة، باعتبارها جميعاً محددات أساسية للصحة.

وشددت على ضرورة حماية العاملين في القطاع الصحي وإشراكهم في رسم السياسات الصحية، مؤكدة أنهم لا يمثلون فقط مدافعين عن الحق في الصحة، بل يشكلون حجر الزاوية في توفير رعاية صحية قائمة على الكرامة الإنسانية.

وفي كلمتها الختامية أمام المجلس بعد ست سنوات من الولاية، جددت المقررة الخاصة التزامها بالدفاع عن الفئات المضطهدة والمتضررة من التمييز والعنف والاستغلال والاحتلال، معتبرة أن التعاون الدولي في مجال الصحة لا يعد مجرد التزام تقني، بل يمثل ركناً أساسياً في منظومة حقوق الإنسان والسلم والأمن الدوليين.

واختتمت بالتأكيد على أن القرارات اليومية التي تتخذها الحكومات والمؤسسات قد تكون عاملاً حاسماً في حماية الكرامة الإنسانية وتعزيز الحق في الصحة، داعية المجتمع الدولي إلى مواصلة العمل المشترك من أجل بناء نظم صحية أكثر عدالة وشمولاً وإنصافاً للجميع.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print