دخلت المنافسة على منصب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة مرحلة مفصلية مع انعقاد المناظرة العلنية التي جمعت المرشحين الستة أمام الجمعية العامة، في وقت تواجه فيه المنظمة الدولية تحديات غير مسبوقة تتعلق بأزمتها المالية وتراجع الثقة في قدرتها على التعامل مع الأزمات الدولية، بينما يقترب مجلس الأمن من إطلاق أول تصويت استطلاعي لاختيار خليفة الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش.
وأفادت قناة فرانس 24، نقلاً عن وكالة الصحافة الفرنسية، بأن المرشحين الستة عرضوا رؤاهم خلال مناظرة استمرت تسعين دقيقة داخل قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أجابوا عن أسئلة الدبلوماسيين وموظفي المنظمة وممثلي المجتمع المدني، في محاولة لإقناع الدول الأعضاء بقدرتهم على قيادة المنظمة خلال مرحلة توصف بأنها من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخها الحديث.
مرشحون يتنافسون على المنصب
يخوض السباق نحو منصب الأمين العام للأمم المتحدة كل من رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشليه، ووزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة ماريا فرناندا إسبينوزا، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل جروسي، والأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ريبيكا جرينسبان، والدبلوماسية الغويانية كارولين رودريجيز بوركيت، إلى جانب رئيس السنغال السابق ماكي سال.
ولم ينجح أي من المرشحين حتى الآن في فرض نفسه باعتباره المرشح الأوفر حظاً، إذ يرى مراقبون أن المنافسة ما زالت مفتوحة، في ظل توازن الدعم بين عدد من الأسماء وعدم حسم العديد من العواصم الكبرى موقفها النهائي.
قيادة في زمن الأزمات
أكدت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك أن المناظرة تمثل فرصة نادرة أمام الدول الأعضاء والرأي العام للتعرف إلى أفكار المرشحين وأولوياتهم ورؤيتهم لإدارة واحدة من أهم المؤسسات الدولية.
وأوضحت أن العالم يمر بمرحلة تتسم بتزايد الانقسامات والصراعات، الأمر الذي يتطلب قيادة تمتلك القدرة على تحديث الأمم المتحدة بما يتناسب مع تحديات القرن الحادي والعشرين، إلى جانب الدفاع عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حفظ السلم والأمن الدوليين، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز التنمية المستدامة.
ضغوط مالية وسياسية
تتزامن عملية اختيار الأمين العام الجديد مع أزمة مالية متفاقمة تواجه الأمم المتحدة، فضلاً عن انتقادات سياسية متزايدة، خاصة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تطالب بإعادة توجيه أولويات المنظمة نحو قضايا السلم والأمن، وتنتقد ما تصفه بتوسع اختصاصاتها وارتفاع نفقاتها دون تحقيق نتائج كافية.
في المقابل، تتمسك دول أخرى بأهمية الحفاظ على التوازن بين المهام الثلاث الأساسية للأمم المتحدة، وهي السلام والأمن، والتنمية، وحقوق الإنسان، وترى أن تقليص أي منها قد يضعف دور المنظمة في مواجهة الأزمات العالمية.
حسابات مجلس الأمن
تتجه الأنظار إلى جلسة مجلس الأمن المقررة في الثلاثين من يوليو، حيث يجري أعضاء المجلس الخمسة عشر أول تصويت استطلاعي سري لتقييم فرص المرشحين، وتشكل هذه الجولة بداية سلسلة من عمليات التصويت التي تستمر حتى يتمكن أحد المرشحين من الحصول على تسعة أصوات على الأقل، من دون أن يعترض أي من الأعضاء الدائمين الخمسة الذين يمتلكون حق النقض، وهم الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة.
وبعد التوصل إلى توافق داخل مجلس الأمن، يرفع اسم المرشح الفائز إلى الجمعية العامة لاعتماده رسمياً، على أن يبدأ الأمين العام الجديد مهامه في الأول من يناير 2027.
سباق بلا مرشح محسوم
يرى محللون أن المنافسة الحالية تختلف عن سباق عام 2016 الذي انتهى باختيار أنطونيو غوتيريش، إذ اتسم السباق السابق بحيوية أكبر وعدد أكبر من المرشحين والمفاوضات السياسية.
وأشار ريتشارد جوان، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، إلى أن المرشحين هذه المرة يتجنبون الدخول في مواقف قد تستفز الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، الأمر الذي جعل الحملة أكثر هدوءاً وأقل زخماً، رغم إدراك الجميع أن نتيجة السباق ستؤثر بصورة مباشرة في مستقبل الأمم المتحدة.
وأضاف أن رافاييل جروسي يعد من أبرز الأسماء المطروحة، لكنه لا يملك أفضلية حاسمة، في ظل الدعم الذي تحظى به أيضاً ريبيكا جرينسبان وكارولين رودريجيز بوركيت، بينما لا يستبعد مراقبون ظهور مرشح جديد في المراحل اللاحقة من العملية.
ينص ميثاق الأمم المتحدة على أن مجلس الأمن يرشح الأمين العام، ثم تعتمد الجمعية العامة هذا الترشيح رسمياً. ويشغل الأمين العام المنصب لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، ويتولى إدارة الأمانة العامة وتمثيل المنظمة وقيادة جهود الوساطة الدبلوماسية في النزاعات الدولية.
ومنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، تولّى المنصب تسعة أمناء عامين، ولم تتولَ أي امرأة هذا المنصب حتى الآن، كما جرى العرف خلال العقود الماضية على مراعاة التوزيع الجغرافي بين الأقاليم المختلفة، وهو ما يدفع دول أمريكا اللاتينية في الدورة الحالية إلى المطالبة بإسناد المنصب إلى أحد مرشحيها، بالتزامن مع دعوات متزايدة لاختيار أول امرأة تقود الأمم المتحدة في تاريخها.
