منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وداع ستارمر لبريطانيا: صفقة أدوية مع واشنطن قد تكون أكثر فتكاً من كوفيد

02 يوليو 2026
رسم توضيحي: توماس بولين / الغارديان
رسم توضيحي: توماس بولين / الغارديان

أديتيا تشاكرابورتي*

طالما آمنت بأن الديمقراطية البريطانية تقوم على مبدأ بسيط وواضح: نحن ننتخب السياسيين ليخدموا مصالحنا، وهم يديرون الخدمات الأساسية التي تعتمد عليها أسرنا ومجتمعاتنا، مثل الرعاية الصحية والتعليم. وباختصار، يفترض أن تعمل الحكومة لمصلحة المواطنين، لا ضدهم.

لكن ما شهدناه هذا الأسبوع يمثل، في رأيي، إخفاقاً ديمقراطياً كبيراً. فبدلاً من الدفاع عن مصالح البريطانيين، مضى رئيس الوزراء كير ستارمر وحكومته في تمرير تشريع واسع النطاق، يؤكد خبراء مستقلون أنه سيلحق ضرراً بالمصلحة العامة، من دون أن يكشفوا بوضوح عن تكلفته أو تداعياته. والأسوأ من ذلك أن البرلمان ووسائل الإعلام أخفقا في إخضاع هذه الخطوة للرقابة والنقاش اللازمين.

وقد ساعد استخدام لغة تقنية معقدة ومصطلحات بيروقراطية على تمرير هذه القضية بعيداً عن اهتمام الرأي العام، لذلك سأحاول قدر الإمكان تجنب الاختصارات والمفاهيم الفنية.

في ديسمبر الماضي أبرم ستارمر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقاً يتعلق بالأدوية. وبموجب الاتفاق، وافقت الحكومة البريطانية على زيادة الإنفاق على الأدوية ذات العلامات التجارية، مقابل امتناع البيت الأبيض عن فرض رسوم جمركية إضافية على صادرات الأدوية البريطانية إلى الولايات المتحدة.

منذ اللحظة الأولى رأيت أن هذه الصفقة كانت سيئة. فقد جرى توظيف أحد أعظم إنجازات الديمقراطية البريطانية، وهو نظام الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، ليس لحماية صحة المواطنين، وإنما لتجنب مواجهة سياسية مع ترامب. وبذلك أصبح الرئيس الأمريكي الأكثر اندفاعاً في التاريخ الحديث يمتلك نفوذاً مباشراً على منظومة الرعاية الصحية البريطانية.

وزير الصحة ويس ستريتينغ ووزارة الصحة لم يقدما تقريباً أي تفاصيل حول حجم التكلفة الحقيقية للاتفاق أو تأثيره في المرضى. بل خلقا فراغاً معلوماتياً واسعاً، ثم سعيا إلى تصوير التراجع على أنه انتصار. وقال الوزراء إن الاتفاق سيتيح لبريطانيا شراء أدوية أمريكية متطورة، لكن الحقيقة أن هذا الخيار كان متاحاً بالفعل قبل الاتفاق، والفارق الوحيد أن القرار لم يعد بيد بريطانيا وحدها.

الأخطر أن أعضاء البرلمان لم تتح لهم فرصة دراسة هذه التغييرات الجوهرية أو مناقشة ما تعنيه لاستقلالية نظام تسعير الأدوية في البلاد. فلم يُفتح المجال لنقاش برلماني حقيقي، ولا لمراجعة من اللجان المختصة، بل استُخدمت أداة تشريعية مختصرة لتمرير الاتفاق إلى حيز التنفيذ.

ولم تنشر الحكومة حتى المعلومات الأساسية عن الصفقة إلا بعد دخولها حيز التطبيق، عندما أصدرت بياناتها قبيل عطلة عيد الفصح مباشرة. ولم يناقش البرلمان الاتفاق إلا هذا الأسبوع، بعد أن أصبح أمراً واقعاً، كما قالت النائبة العمالية رايتشل ماسكيل.

وفي الوقت نفسه، ظهرت أول دراسة تفصيلية مستقلة حول التكلفة الحقيقية للاتفاق، أعدها ثلاثة من كبار الباحثين في مجال الصحة، بينهم مستشار سابق في المعهد الوطني للصحة وجودة الرعاية (NICE)، ونشرتها المجلة الطبية البريطانية.

وتخلص الدراسة إلى أن الحكومة ضللت الرأي العام بصورة كبيرة.

فخلال التفاوض مع ترامب، قدم وزير الصحة ثلاث ضمانات واضحة: أولها أن هيئة الخدمات الصحية الوطنية “ليست مطروحة على طاولة المفاوضات”، وثانيها أن الحكومة لن تقلص خدمات NHS لتمويل الصفقة، وثالثها أن التكلفة السنوية ستبلغ نحو مليار جنيه إسترليني فقط خلال السنوات الأولى.

لكن الدراسة ترى أن هذه الوعود الثلاثة لا تنسجم مع الواقع.

فبموجب الاتفاق، سترتفع حصة الإنفاق على الأدوية من 0.3% إلى 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عشر سنوات، كما أقرت الحكومة بأن الأموال ستُقتطع من ميزانية هيئة الخدمات الصحية الوطنية نفسها.

ويقدّر الباحثون أن التكلفة خلال السنوات الأولى ستكون قرابة ثلاثة أضعاف الرقم الذي أعلنه الوزير، في حين قد تصل التكلفة الإجمالية بحلول نهاية العقد إلى 44.7 مليار جنيه إسترليني.

وللمقارنة، فإن الجدل السياسي الحالي يتركز حول الحاجة إلى توفير 15 مليار جنيه إضافية للإنفاق الدفاعي، في حين قد يضطر نظام الصحة الوطني إلى تدبير ما يقارب ثلاثة أضعاف هذا المبلغ لتمويل فاتورة الأدوية الناتجة عن هذه الصفقة.

ويرى الباحثون أن هذه الأموال ستنتقل من دافعي الضرائب البريطانيين إلى مسهمي شركات الأدوية العالمية، في حين ستتراجع الموارد المخصصة للخدمات الصحية الأخرى، مثل فحوصات السرطان، وتوظيف الأطباء والممرضين، وعلاج أمراض القلب والسكري.

واستناداً إلى بيانات طويلة الأمد تربط بين حجم الإنفاق الصحي ونتائج المرضى، تتوقع الدراسة أن يؤدي هذا التحول في الإنفاق إلى نحو 229 ألف وفاة إضافية بحلول عام 2036، وهو ما تصفه بأنه تقدير متحفظ، لكنه يقترب من ضعف عدد الوفيات التي كان يمكن تجنبها خلال جائحة كوفيد-19.

وبالنسبة لي، فإن ذلك يمثل مأساة صُنعت داخل أروقة الحكومة البريطانية، استجابة لضغوط البيت الأبيض، وبهدف زيادة أرباح مسهمي شركات الأدوية.

بعد جائحة كورونا، كان ستارمر وستريتينغ من أكثر المطالبين بإجراء مراجعة شاملة لاستخلاص الدروس. لكننا اليوم أمام اتفاق قد تكون آثاره، وفق هذه الدراسة، أشد خطورة من الجائحة نفسها، ومع ذلك لم يحظَ إلا بقدر ضئيل للغاية من الرقابة الديمقراطية.

وزارة الصحة قالت إنها لا تعترف بهذه الأرقام، لكنها لم تنشر حتى الآن أي تقييم رسمي للأثر، رغم المطالبات المتكررة من النواب والباحثين.

وفي رأيي، فإن المؤسسات الديمقراطية البريطانية أخفقت في أداء دورها. فلم تُجرِ اللجان البرلمانية المختصة بالصحة أو التجارة أو العلوم أي تحقيقات جدية، ولم يناقش مجلس العموم القضية إلا بعد تنفيذ الاتفاق، في حين اكتفى وزير دولة بالرد على الانتقادات من خلال تكرار ما ورد في البيانات الحكومية.

أما وسائل الإعلام، فقد التزمت إلى حد كبير الصمت. ووفقاً لبيانات بحثية، نشرت الصحف البريطانية خلال الأشهر الستة الماضية ثمانية تقارير فقط عن هذه الصفقة التي قد تعيد رسم مستقبل هيئة الخدمات الصحية الوطنية، في حين خصصت في الفترة نفسها 274 مادة صحفية للتكهن بمستقبل ويس ستريتينغ السياسي وإمكانية توليه قيادة حزب العمال.

ومن المؤسف أن تحظى طموحات سياسي باهتمام إعلامي يفوق بكثير الاهتمام بحياة المرضى وكبار السن والفئات الأكثر ضعفاً.

وقريباً سيكون للمملكة المتحدة رئيس وزراء جديد تعهد هذا الأسبوع بمزيد من الديمقراطية والشفافية والمساءلة. ولذلك أرى أن أول اختبار حقيقي أمام آندي بورنهام سيكون موقفه من هذه الصفقة، وهل سيقبل باستمرار اتفاق أُبرم بعيداً عن الأضواء، وأُحيط بسرية لا يمكن تبريرها، رغم ما قد يحمله من آثار بعيدة المدى على مستقبل الرعاية الصحية في بريطانيا.

*نقلاً عن الجارديان

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print